لوفيغارو- هل ستصبح فرنسا دولة فاشلة كالأرجنتين أو فنزويلا؟

  • شارك هذا الخبر
Tuesday, July 9, 2024

تحت عنوان “ضمان استمرارية فرنسا على الصعيد الدولي”، قال الجيوسياسي والكاتب الفرنسي رينو جيرار، في عمود رأي بصحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، إنه مُقارنةً بالدول الأخرى، لا يمكن إنكار أن فرنسا قد أُضعفت بسبب العملية الانتخابية التي شهدتها للتو. فمنذ أن قام الجنرال ديغول بإصلاح مؤسساتها، اشتهرت البلاد باستقرار سلطاتها العامة، على عكس إيطاليا، التي كانت تغير حكومتها باستمرار. فبعد خمسة أشهر من تعيين رئيس وزراء فرنسي جديد، أدت الانتخابات التشريعية غير المتوقعة إلى انقطاع دورة الإصلاحات الأساسية التي بدأها.

وحتى لو رفض رئيس الجمهورية استقالة غابرييل أتال، في 8 يوليو 2024، فإن حكومته يستبعد تماماً أن تقوم بإصلاح كبير للنظام الاجتماعي الفرنسي، الممول اليوم جزئياً من الديون، حيث وصل الأمر إلى الحدّ الذي جعل المفوضية الأوروبية تعرب، مؤخراً، عن قلقها العام بشأنه.

لقد أصبح عبء الديون البند الأول في ميزانية الدولة الفرنسية. وبدأنا نتساءل عما إذا كانت فرنسا ستصبح ذات يوم دولة فاشلة، مثل الأرجنتين أو فنزويلا.

وبفضل نظام الانسحاب “الجمهوري”، الذي يذكّرنا بنظام انتماءات الجمهورية الرابعة، حصلت “الجبهة الشعبية الجديدة” – وهي تحالف أحزاب اليسار- على 184 نائباً من أصل 577 في الجمعية الوطنية الفرنسية. داخل هذا التحالف، تدافع حركة “فرنسا الأبية” اليسارية الراديكالية عن برنامج مجنون لزيادة الإنفاق العام والضرائب، في حين أصبح العبء الضريبي الفرنسي هو الأعلى بالفعل في العالم.

لو سُمع صوت هذا اليسار الراديكالي، لشهدنا نزوح آخر المستثمرين ورجال الأعمال الذين ما زالوا يؤمنون بفرنسا، بحسب الكاتب رينو جيرار، ذي التوجه اليميني.

وتابع الكاتب القول إنه يأمل في ألّا يستسلم الرئيس إيمانويل ماكرون لضغوط النواب اليساريين الراديكاليين الذين جلبهم إلى قصر بوربون (الجمعية الوطنية)، وألّا يدمر كل العمل الذي أنجزه، بعد انتخابه عام 2017، لصالح رجال الأعمال الفرنسيين الاستثمارات الدولية على الأراضي الفرنسية.

ورغم عدم اتخاذ أي إجراء جدي في فرنسا، طيلة سبع سنوات، لوقف دوامة الديون الجهنمية، فإن حلفاء فرنسا الأوروبيين يرونها، وبكل حزن، وهي تتراجع إلى المخاض السياسي للجمهورية الرابعة، بعد أن تعافى هذا البلد الجميل بشكل ملحوظ بفضل الجنرال ديغول وجورج بومبيدو.

وبعد أن وقع الضرر -بحسب رينو جيرار- فمن المهم الآن عدم جعله أسوأ. فنظراً لتعقيد التكتيكات البرلمانية الصغيرة، التي من المؤكد أنها ستنشأ في الجمعية الوطنية، فإن تأسيس سياسة داخلية جديدة للجمهورية الفرنسية سيستغرق وقتاً طويلاً، هذا إذا كان ذلك ممكناً. ولكن الأمر الملح، اليوم، يتلخص في ضمان استمرارية الدور الدولي الذي تلعبه فرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والرائدة التاريخية في البناء الأوروبي، والتي تعد واحدة من الدول الثلاث في حلف الأطلسي (الناتو) المجهزة بالأسلحة النووية.

واعتبر رينو جيرار أن الشخص الوحيد القادر على تجسيد الاستمرارية الدولية لفرنسا، اليوم، هو إيمانويل ماكرون. وبالفعل، يعهد الدستور في مادته الخامسة إلى رئيس الجمهورية بمهمة ضمان استمرارية الدولة، فضلاً عن كونه الضامن للاستقلال الوطني ووحدة التراب الوطني واحترام المعاهدات. وبالإضافة إلى ذلك، تنص المادة 15 على أنه هو رئيس القوات المسلحة، ويرأس المجالس العليا واللجان العليا للدفاع الوطني. باختصار، يجعل الدستور من رئيس الجمهورية السلطة العليا في شؤون أمن البلاد، التي تعتمد على قواتها المسلحة ودبلوماسيتها.

وأوضح الكاتب أنه لو فاز حزبٌ واحد بالأغلبية المطلقة من مقاعد المجلس، لما كان أمام الرئيس ماكرون خيار سوى تقاسم هذه الصلاحيات. ومن أجل احترام حق الاقتراع الشعبي وسيادة الشعب، كان سيتم تعيين زعيم هذا الحزب رئيسًا للوزراء، مع الصلاحيات الواسعة جدًا التي تمنحه إياه المادة 20 من الدستور الفرنسي: “تحدد الحكومة، وتدير سياسة الأمة. ولها الإدارة والقوة المسلحة. وهو مسؤول أمام البرلمان… ”.

ولكن اليوم، وعلى الرغم من مطالبة الشعب الفرنسي بذلك، فإنه لم يختر حكومته بشكل واضح. وأرسل إلى الجمعية الوطنية سلطة خضار مكونة من ثلاث كتل كبيرة متكافئة. وقد كانت هذه الخضار في مخزنه منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر. الكتلة الأولى تجسد اليسار الثوري لفبراير 1848. والثانية، الوسط الأورلياني لأغسطس 1830؛ والثالثة، اليمين البونابرتي لديسمبر 1848. ولا شك في أن الشعب الفرنسي أضاف إلى سلطة الخضار هذه، من باب الخيال، “مايونيزًا ديغوليًا” جديدًا مكونًا من 60 نائبًا، دون أن نعرف اليوم ما إذا كان ذلك سيجعل الطبق أقل قابلية للأكل أم أكثر، يقول رينو جيرار.

واعتبارًا من الأربعاء10 تموز/يوليو- يتابع كاتب المقال- سيتواجد الرئيس ماكرون في واشنطن للمشاركة في قمة حلف الأطلسي. وسيضمن الاستمرارية الدولية لفرنسا. كما سيرفع صوته لصالح إعادة تسليح أوروبا في مواجهة الخطر الذي تفرضه عليها النزعة التوسعية الروسية. فالجميع يتمنون وضع حدّ للمذبحة بين الإخوة الأوكرانيين والروس، ولكن إذا كان هناك وقف لإطلاق النار، فسيكون من الأهمية بمكان بالنسبة لأوكرانيا أن تحصل على ضمانات أمنية، بحيث يتم إثناء الروس إلى الأبد عن مهاجمتها. وفي هذه القضية، يمكن لصوت إيمانويل ماكرون أن يقدم قيمة مضافة حقيقية، وفق رينو جيرار.

وفي الفترة من 1997 إلى 2002، شهدت فرنسا تعايشاً بين الرئيس اليميني جاك شيراك ورئيس الوزراء اليساري ليونيل جوسبان. كان هوبير فيدرين، الذي حظي بقبول وتقدير كليهما، وزيرًا جيدًا جدًا للخارجية، حريصًا على الدفاع عن مصالح البلاد، دون روح حزبية، يُذكِّر الكاتب، قائلاً إنه من المهم أن يتم تبني هذا النموذج للتعاون الحضاري في الظروف الحالية.


القدس العربي