هل تنزع واشنطن فتيل الانفجار بين لبنان واسرائيل؟

  • شارك هذا الخبر
Tuesday, October 4, 2022

دخل لبنان ودولة الاحتلال الإسرائيلي المربع الأخير من مسار التفاوض التقني غير المباشر بوساطة أميركية لترسيم الحدود البحرية، وتفيد المعطيات بأن ما أدرجته واشنطن بعرضها النهائي الذي سلمته السبت الماضي كان موضع نقاش وبحث مع الجانبين منذ نحو شهرين.

ويجد محللون أن استعجال واشنطن لتوقيع الترسيم بإحداثياته الجديدة ينبع من الحاجة الدولية المُلحة لمصادر جديدة للغاز بعد الحرب الأوكرانية الروسية، وقد يكون شرق البحر المتوسط أحد أهم منصات استخراجه.


تطورات العرض الأميركي
ووسط مناخات إيجابية في بيروت، يعتزم لبنان تسليم الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين اليوم الثلاثاء ردا يتضمن ملاحظات على العرض الخطي الأميركي.

وأمس الاثنين، ترأس رئيس الجمهورية ميشال عون اجتماعا تقنيا لبحث العرض، واجتماعا رئاسيا مع رئيسي مجلس النواب نبيه بري وحكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي.

رسميا، لم يتم الإفصاح عن مضمون العرض الأميركي المؤلف من 10 صفحات، لكن ما سُرّب منه عكس تفاؤلا ببلوغ اتفاق غير مباشر.

وبدت تل أبيب أكثر إرباكا على المستوى الداخلي، إذ وجد معارضو حكومة يائير لبيد أن العرض الأميركي عكس خضوعا إسرائيليا لتهديدات حزب الله، بعد تكريسه معادلة حقل كاريش لإسرائيل مقابل حقل قانا للبنان.


وينقل الكاتب والمحلل السياسي داود رمال عن مصادر لبنانية رسمية للجزيرة نت أبرز بنود الطرح الأميركي، ويلخصها في 6 نقاط:

الاعتراف بحدود لبنان البحرية على أساس الخط 23 وحقل قانا الجنوبي.
عدم توسيع الترسيم البحري إلى بري كما سعت إسرائيل. وتاليا تكريس ملكية لبنان للنقطة "بي-1" (B-1) الواقعة في خليج رأس الناقورة، وعدّها جزءا من حدوده البحرية.
ترتيبات أمنية تبدأ من نقطة بحرية تبعد نحو 5 كيلومترات عن البر تتولاها من الجانب اللبناني قوات "اليونيفيل".
حصول إسرائيل على نسبة من الأرباح من شركة "توتال" الفرنسية من حقل قانا إذا تحقق اكتشاف تجاري مشترك فيه، وليس عبر دفع لبنان ما سُميت "بتعويضات" لإسرائيل، ووفق ترتيبات فرنسية أميركية مع الشركة التي وقع معها لبنان للتنقيب بقانا.
التزام "توتال" ببدء الحفر الاستكشافي في بلوك 9 لصالح لبنان.
تأجيل الاستخراج والنقل من حقل كاريش نحو 15 يوما بطلب من شركة "إنرجيان"، لحين إنجاز الترسيم لضمان عملها بمنطقة آمنة.
وعليه، يرى لبنان أن عرض واشنطن إنجاز كبير لصالحه، وينتزع مطلبه بمنطقة اقتصادية خالصة مع حقل قانا ومنطقة أمنية عازلة.


ترسيم لا اتفاقية
ويصر الجانب اللبناني على أنه لا يوقع اتفاقية ثنائية مع إسرائيل، كونه في حالة عداء معها، ولا يعترف بوجود "دولة الكيان الإسرائيلي".

ويوضّح الأكاديمي اللبناني والخبير في القانون الدولي رزق زغيب للجزيرة نت مسار الترسيم المرتقب قائلا إن الدول -وفق معاهدة قانون البحار- تحدد مجالها البحري بموجب عمل فردي صادر عنها، ويصدره لبنان بمرسوم يحدد إحداثيات المجال البحري بدقة ويرسلها للأمم المتحدة.

ويذكّر زغيب أن أصل الخلاف منذ 2011، بما حددته إسرائيل بعد توقيعها اتفاقية مع قبرص، تعارض مع ما حدده لبنان المجال البحري. وكان الأخير غير قادر على اللجوء لمحاكم دولية أو التفاوض المباشر مع دولة لا يعترف بوجودها، فجاء دور الوسيط الأميركي.


وإذا وافق لبنان على عرض واشنطن، يرسل رسالة لوسيطها، وبعد تأكيد الموافقات، يبعث للأمم المتحدة عبر وزارة الخارجية إحداثيات جديدة، وكذلك ستفعل إسرائيل كعمل أحادي، ويظهر التطابق بينهما. وعندها يصبح الترسيم الجديد نافذا، من دون أن يعني تطبيعا واعترافا لبنانيا بإسرائيل، وفق زغيب.


جذور الصراع
بدأت ملامح الصراع اللبناني الإسرائيلي على النفط والغاز سنة 2002؛ حين كلفت حكومة لبنان مركزا بريطانيا لإعداد دراسة حول كيفية ترسيم حدود المياه الإقليمية، فاصطدم بعدم توفر خرائط بحرية دقيقة للمنطقة الفاصلة بين جنوب لبنان و"شمالي فلسطين المحتلة".

وفي 2009، حدّدت حكومة فؤاد السنيورة الحدود بالخط 23، فثبتت حكومة نجيب ميقاتي عام 2011 النقطة كحق للبنان لدى الأمم المتحدة، وقدرت بـ860 كيلومترا مربعا عبر مرسوم رقم 6433.

لكن سرعان ما نشب الخلاف واستمر حتى انطلقت مفاوضات غير مباشرة بين الجانبين برأس الناقورة في أكتوبر/تشرين الأول 2020، برعاية الأمم المتحدة ووساطة أميركية، واستمرت 5 جولات حتى مايو/أيار 2021.

وتم تعليقها لأسباب عديدة؛ أهمهما إبراز الجانب اللبناني خرائط جديدة لإثبات حقه حتى الخط 29، وتتضمن حقل كاريش كمنطقة متنازع عليها. ثم تراجع لبنان عنه، ورأى فيه كثيرون تنازلا كبيرا قُدم لإسرائيل.

وهنا، يصف الخبير والمستشار في الشؤون النفطية ربيع ياغي العرض الأميركي بتصحيح وضع شاذ وتسوية ستعود بالفائدة الاقتصادية للجانبين، مشيرا إلى أن إسرائيل حاولت تاريخيا قرصنة المساحة المعروفة بخط 23، بينما "العرض يعيدها إلى الحدود المرسومة منذ اتفاقية الهدنة سنة 1949". أما الخط 29، فلبنان لم يتنازل عنه -حسب رأيه- لأنه كان خطا تفاوضيا لضمان الحصول على الخط 23.

هل يختزن حقل قانا فعلا ثروة نفطية وغازية؟
يقول ياغي للجزيرة نت إن قانا حقل افتراضي، لأن لبنان ليست لديه آبار مكتشفة، وهو ضمن منطقة شهدت مسحا جيولوجيا ثلاثي الأبعاد، وأثبتت أنها واعدة وغنية.

وما يحسم النقاش -وفق قوله- بدء لبنان الحفر والتنقيب لرصد الكمية الغازية، وإن كانت قابلة للتطوير الاستثماري، بعمق نحو 5 كيلومترات، ومسار يحتاج نحو 8 سنوات. ويذكر ياغي أن إسرائيل اكتشفت حقل كاريش سنة 2013، لكنها ستصدر منه في 2022.

وحول الكميات، يشير ياغي إلى أن حوض شرق البحر المتوسط -حسب الجيولوجيين الأميركيين سنة 2009- يحتوي على نحو 122 تريليون قدم مكعبة من الغاز القابل للاستخراج، وإسرائيل حتى الآن لديها اكتشافات في حدود 40 تريليونا وقبرص في حدود 10 تريليونات، ولم تعرف الكمية من جهة سوريا.

و"لأن لبنان جغرافيا يقع وسط الحوض المشرقي، فقد يختزن نحو 30 أو 40 تريليون قدما مكعبة، وهي كافية لسد حاجته مستقبلا لإنتاج الطاقة وتصدير الكميات الفائضة"، حسب ياغي.


أبعاد سياسية
يقول المحلل داود رمال إن الموافقة اللبنانية المبدئية على العرض الأميركي أنجزت، وإن الملاحظات دونت، بعضها جوهري وأخرى ثانوية، من دون تأثيرها على بنية العرض.


وتتحدث معلومات عن أن بين الملاحظات الاعتراف بسيادة لبنان الكاملة على حقل قانا، والحصول على ضمانات دولية بعدم تراجع إسرائيل عن الاتفاق.

وإذا وقع الاتفاق، فإنه يعني أن لبنان -وفق رمال- ضمن استقرارا أمنيا على طول الحدود البرية والبحرية الجنوبية من 20 إلى 30 عاما، والشرط الأمني أساسي لاستثمار الشركات.

خارجيا، يرى رمال أن واشنطن على عجلة من أمرها لإنجاز الترسيم، بعدما "ورّطت" الاتحاد الأوروبي بتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، فوجدت نفسها ملزمة بالتعويض -ولو نسبيا- عن خسارة الغاز الروسي، كما "لا تريد فتح جبهة عسكرية جديدة بالشرق الأوسط وتحديدا بين إسرائيل وحزب الله".

وإثر الترسيم المرتقب، تتكرس معادلة جديدة بين لبنان وإسرائيل قوامها "الاستخراج مقابل الاستخراج"، وفق رمال. وتاليا، "هناك عصا فوق رأس الشركات، لعدم المماطلة بوجود منافسين جاهزين للحلول مكان أي شركة تتلكأ في استثمار الثروة اللبنانية".


الجزيرة

الأكثر قراءةً