كيف تتمّ عملية زراعة القلب الطبيعي وكيف نُراقب المريض بعد حصولها؟!

  • شارك هذا الخبر
Friday, August 5, 2022




كنا قد طرحنا في الجزء السابع عشر من المقالات التي تبحث في واقع امراض القلب والشرايين في لبنان والعالم في العام 2022، كيف تمّ التطوّر التاريخي لعمليات زراعة القلب الطبيعي، ومن هُم المرضى الذين قد يستفيدون من هذه العمليات وما هي الأمراض التي يعانون منها، وكيف تتمّ عملية تقييم حالة المريض قبل إقرار وضع المريض على لائحة الإنتظار ولاحقاً عملية الزراعة. في هذا الجزء نعرض كيف تتمّ عملية الزراعة بحدّ ذاتها، وكيف تتمّ عملية متابعة المريض "ما بعد الزراعة القلبية" والإختلاطات الجانبية التي قد تُصيب المريض بعد الزراعة، وهي قد تكون إختلاطات "قلبية" و"غير قلبية"، وما هي النصائح والإجراءات التي يجب إعتمادها لمنع حصول معاودة المرض وللحفاظ على صحة سليمة لهذا القلب الجديد المزروع.

1-كيفية إجراء عملية زراعة القلب :
بعد أن يكون ملفّ المريض قد تمّت المُوافقه عليه من طرف الفريق القلبي المُعالج (Heart team) من أجل إجراء عملية الزراعة القلبية، يُوضع ملفه على لائحة الإنتظار في برنامج زراعة الأعضاء الوطني (جمعية وهب الأعضاء الوطنية في كل دولة). ويتمّ تقديم أو تأخير أولويّته بحسب الأعراض التي يعاني منها ودرجة الخطورة التي يُوجد فيها. وعندما يتوفّر الشخص الواهب (مريض في حالة موت دماغي بقي قلبه نابضاً وحالته جيدة وخالية من أي أمراض خطيرة أو مشاكل مُهمة في الصمامات أو أمراض معديّة ومنقولة، وهذا ما كان يّشكّل المصدر الرئيسي للقلوب المزروعة في السابق، مريض قد توقّف قلبه حديثاً لأسباب "غير قلبية" او حصل على "إنعاش قلبي" لم تكن مدّته طويلة بين 5 الى 10 دقائق على الأكثر، كما يحصل حالياً في بعض الدول التي ذكرناها والتي سمحت بإستخراج القلب من جثث اشخاص في هذه الحالة، قلب خنزير مُعدّل وراثياً من اجل الزراعة عند البشر كما بدأ يحصل منذ بداية هذا العام في الولايات المتحدة)، يقوم فريق طبي من ضمنه جراح قلب واحد بإستئصال القلب من صدر الواهب ويقوم بوضعه في وعاء فيه سائل معين لحفظ القلب ووضعه في صندوق مُبرّد او على جهاز مُخصص لتروية وحفظ القلب (سنتكلّم عنه لاحقاً) والذي بدأ العمل في إستعماله بنجاح كبير منذ حوالي ثلاث سنوات او اكثر في بعض الدول وهو يسمح بإستمرار القلب خارج الجسم لفترات اطول قد تصل الى 18 ساعة او اكثر دون ان يتأثّر القلب كثيراً بذلك. ويتمّ نقل هذا القلب بأقصى سرعه إلى المستشفى الموجود فيها المريض الذي سوف يستقبل القلب (يتمّ نقله بواسطة الطائرة أو الهوليكبتر من أجل كسب الوقت في الدول المُتقدّمة أو عند وجود مسافات بعيدة). في هذه الأثناء يقوم الفريق الطبي في المستشفى الآخر الذي سوف يستقبل القلب بتحضير المريض وإستئصال قلبه بعد وضعه على "جهاز مضخّة قلبية إصطناعية". ويقوم بعد ذلك بزراعة القلب الجديد عند وصوله. ويقوم الجراحون بإعادة تشغيله تدريجياً حتى يتمّ فطمه نهائياً عن جهاز المضخّة الإصطناعي. هنا يتمّ أيضاً البدء بالعلاج المُضاد للمناعة. ونشير إلى أنه يجب ألّا تتعدّى فترة نقص التروية للقلب المزروع ما بين إستئصاله من الواهب وإعادة تشغيله في صدر المريض الجديد بعد إعادة وصله بالشرايين الكبيرة لهذا المريض مدة 4 ساعات على الأكثر، لأن ذلك قد يُؤّثر على مُستقبل هذا القلب ووظيفته وإصابته بأعراض مختلفة. وعادة تتمّ عملية زراعة القلب بسهولة دون مشاكل مهمة، لكنها قد تتعقّد في بعض الأحيان عندما يكون هذا المريض بحاجة إلى مساندة ميكانيكية من قبل مضخّة قلبية إصطناعية قبل العملية، أو عندما يوجد لديه إرتفاع كبير في الضغط الشرياني الرئوي، أو عندما تكون حالة القلب المزروع غير صُحيّة تماماً. وقد تتعقدّ أيضاً بحصول بعض حالات النزيف او الإلتهابات او الإختلاطات الأخرى. أما الأيام التي تلي عملية الزراعة فقد تتعقد العملية بحصول قصور في عمل القلب الأيمن، أو بحصول قصور كلوي حادّ، أو حصول إلتهابات جرثومية حادّة خاصة رئوية، يجب علاجها بشكلٍ سريع بواسطة المُضادّات الحيوية. ولذلك فإن مُراقبة المريض في هذه الفترة يجب أن تكون مُتشدّدة جداً في غرفة العزل في المستشفى، حيث يجب مراعاة حالته ومراقبته بشكلٍ دقيق بسبب نقص المناعة الناتج عن تناول الأدوية المضادة للمناعة.
وهنا نشير أيضاً إلى أن فترة الإستشفاء بعد العملية قد تتراوح بين 3 إلى 4 أسابيع، يخرج بعدها المريض إلى مركز إعادة التأهيل لكي يُعوّض النقص الذي يكون قد أصابه في العضلات الخارجية بسبب قلّة الحركة التي كان يعاني منها سابقاً بسبب قصور القلب، ولكي يعتاد تدريجياً على إندماجه إجتماعياً ومهنياً. ولكي يعتاد أيضاً على بعض الخصائص التي يتميّز بها القلب الجديد ومن أهمها وجود تسرّع في ضربات القلب في حالة الراحة والتسرّع المُتأخّر لضربات القلب مع الجهد، وعدم الإحساس بالآلام الصدرية، لأن القلب الجديد غير موصول بشبكة الأعصاب التي تصل من الدماغ إلى القلب الجديد أو من القلب الجديد إلى الدماغ والمُتمثّلة تحديداً بالجهاز العصبي اللا إرادي-الودّي واللا ودّي المسؤولين عن تسريع القلب او الحدّ من سرعة القلب وحالة إنقباض او إرتخاء الشرايين التاجية للقلب ومراقبة الضغط الشرياني.

2- كيفية متابعة المريض بعد الزراعة:
بعد أن تتمّ عملية الزراعة القلبية يجب وضع المريض تحت العلاج بواسطة "الأدوية المُضادة للمناعة" او "كابحات" او "مثبّطات المناعة" ومن أهمها:
أ- (IV Anti lymphocytes serum) والتي يجب إستعمالها خلال الأيام الأولى من الزراعة (3 إلى 5 أيام).
ب- مشتقات الكورتيزون (Cortico steroids) والتي يجب البدء بها بواسطة المصل أولاً ثم بواسطة الفمّ في أقرب فرصة مُمكنة.
ج- (Ciclosporin :Neoral or Sandimmum) والذي يجب البدء به في اليوم الثالث على أبعد تقدير حسب وظيفة الكلى. وفي ذات الفصيلة هناك دواء (Tacrolimus : Prograf) وهو قيد التقييم للوقاية من حالات الرفض مكان الـ Ciclosporin الذي له آثار جانبية كثيرة.
د- (Azathioprine : Imurel) بواسطة الفم منذ اليوم الأول للعملية.
ه-(Mycophenolate moftil: Cellcept) والذي يُستعمل بدل الـ Imurel للوقاية من حالة الرفض التي قد تظهر احياناً.
و-ادوية جديدة تسمّى
(m-TOR inhibitors) ومن ضمنها ال (Sirolinus) وال (Everolimus) وهي كابحات او مُضادّات اجدد من الأدوية الأخرى واكثر تطوّراً وفعاليةً واقل آثار جانبية.
وعادة ما يكون المريض تحت 3 من هذه الأدوية والتي يستعملها بعد خروجة من غرفة العناية الفائقة، والتي يجب تناولها لفترة ستة أشهر إلى سنة بحسب تكرار حالات الرفض وتدهور وظيفة الكلى وإمكانية ظهور مرض السكري والإختلاطات الجانبية الأخرى مثل الإلتهابات الجرثومية والفيروسية والفطرية والأمراض السرطانية. ويقوم الفريق الطبي المُراقب بتخفيف هذه الأدوية من أجل الوصول إلى أفضل حالة توازن مُمكنة بين الأعراض الجانبية لهذه الأدوية والفعالية المنشودة منها وذلك بحسب قياس نسبة الـ Ciclosporin في الدم وغيرها من الأدوية المُستعملة.
أما المُراقبة الخارجية فهي تهدف إلى الكشف السريع عن حالات الرفض (Rejection) اي هجوم جهاز مناعة جسم المريض المُتلقّي ضد خلايا القلب الجديد المزروع بإعتباره جسم غريب والتي لها طُرق متعددة وقد تأخذ اشكال مختلفة بحسب درجة خطورة ردّة فعل الجسم. كذلك يجب كشف الإلتهابات المُتعدّدة الأنواع التي قد تحصل ايضاً. وعلى المدى البعيد يجب الكشف عن مرض تصلب الشرايين التاجية في القلب الجديد وعن الأمراض السرطانية التي قد تحدث نتيجة تناول الأدوية المُضادة للمناعة لفترات طويلة. هذه المتابعة تتمّ إما عبر المعاينات الدورية، أو عن طريق الإستشفاء ليوم واحد من خلال جدول موضوع سلفاً بطريقة علمية دقيقة مع فحص سريري وتخطيط قلب وصورة صوتية للقلب وفحوصات دم مُتعدّدة وخاصة عن طريق أخذ خزعة من عضلة القلب الأيمن Cardiac or heart) biopsy) للكشف عن حالات الرفض التي من المُمكن كشفها أيضاً عن طريق التصوير الصوتي للقلب ولكن بطريقة اقل دقةً. وأخيراً يجب على كل هذه الفحوصات أن تكشف عن الآثار الجانبية للأدوية وعن الإختلاطات المُتعدّدة التي ذكرناها سابقاً وفي مُقدّمتها الأمراض السرطانية والإلتهابات والقصور الكلوي ومشاكل الكبد.

3- الإختلاطات الجانبية بعد الزراعة: وهي مُتعدّدة ومن أهمها:
a- الإختلاطات القلبية الوعائية وهي على عدة أنواع:
أ- حالة الرفض الحادة (Acute rejection) : وهي إختلاطات عادة ما تكون مُبكرة اي تحصل في الأيام او الأسابيع الأولى لعملية الزرع. وهي نادرة بعد مرور 6 أشهر من هذه العملية. ويتمّ تشخيصها عبر الفحص السريري الذي لا يُعطي علامات كثيرة لهذه الحالة، وتخطيط القلب الذي قد يُظهر عدم كِبر حجم مُؤشر ال QRS أو بعض التغييرات غير الإعتيادية وإضطرابات ضربات القلب. لكن التشخيص الرئيسي يتمّ عبر التصوير الصوتي للقلب الذي يُظهر مشاكل في الوظيفة الأرتخائية للعضلة القلبية (Diastolic or relaxation function). وهي وظيفة لها حالياً عدّة مُؤشرات علمية دقيقة من الممكن قياسها بسهولة خلال التصوير الصوتي مع إستعمال الدوبلر الأنسجة (Doppler (tissulaire ومعطيات اخرى معروفة جداً من قِبل اطباء القلب المتمرّسين على التصوير الصوتي للقلب. وقد يظهر في مراحل مُتقدّمة خللاً في الوظيفة الإنقباضية للعضلة القلبية اليسرى (Left ventricular contractility)، قد يأخذ احياناً ابعاداً خطيرة جداً ويُؤدّي الى قصور القلب. ونستعين كثيراً بالخزعة التي نأخذها من القلب الأيمن التي يرتكز عليها تشخيص حالة الرفض وحيث يقوم الأطباء بوضع مُؤشّر او علامة لخطورة الرفض لـ (Scoring) بحسب درجة وجود الخلايا اللمفاوية
( وهي تشمل انواع متعددة من الكريات البيضاء المسؤولة عن مُختلف انواع المناعة في الجسم) في عضلة القلب. وهنا نشير إلى أن علاج حالة الرفض تتمّ عبر حقن كمية كبيرة من الكورتيزون (IV steroids)، ومن خلال حقن مصل مُضاد للخلايا اللمفاوية
(Anti lymphocytes serum) في حال عدم التجاوب مع الكورتيزون .

ب- مرض إرتفاع الضغط الشرياني:
وهو مرض رائج جداً عند المرضى الذين أستفادوا من زراعة قلب (%70 من الحالات). أسبابه مُتعددة ويأتي في مُقدّمتها تناول دواء الـ Ciclosporin لفترات طويلة. وهذا المرض يُؤدّي إلى زيادة المخاطر القلبية والوعائية كما في أي حالة من حالات إرتفاع الضغط الشرياني، بحيث يزيد كثيراً من مخاطر الجلطات القلبية والدماغية، ومن خطر حدوث قصور كلوي مُزمن قد يُؤدّي إلى الحاجة لغسيل الكلى أو إلى حصول زراعة كلية بسبب ذلك.

ج- مرض تصلّب الشرايين التاجية الجديدة (New atherosclerosis) :
ويُمكن إعتباره "حالة رفض مزمن للقلب الجديد". ويُترجم على شكل تصلّب سريع للشرايين التاجية الجديدة. وهو مسؤول عن الوفيات والإختلاطات المُتأخّرة المُهمّة. ومن المُمكن أن يكون صامتاً في أغلب الأحيان، مما يستدعي إجراء فحوصات مُتكرّرة من أجل كشفة مثل التصوير الصوتي مع الأجهاد أو القسطرة (تمييل) شرايين القلب.
وعلى عكس مرض تصلّب الشرايين الإعتيادي الذي نراه عادة عند معظم المرضى العاديين فهذا المرض يتميّز بأنه يحصل فيه زيادة مُهمّة في سماكة الطبقة الداخلية لجدار الشرايين بشكلٍ مُنتشر في كل الشرايين من الأعلى إلى الأسفل، مما يجعل عملية العلاج بواسطة "الطُرق الإعتيادية او الكلاسيكية" بواسطة عمليات توسيع الشرايين او بالجراحة الشريانية، عملية مُعقّدة وصعبة للغاية. وكما قلنا فأنه صامت في أغلب الأحيان وقد نكتشفه فقط على الفحوصات الدورية أو عند ظهور علامات قصور خطير في عضلة القلب أو إضطراب خطير في ضربات القلب.
وقد يتسبّب أحياناً بحالات موت مفاجئ. وعلاجه مثل حالات التصلب الأخرى في الشرايين بحيث يجب أيضاً مراقبة عوامل الخطورة الإعتيادية لهذا المرض وخاصة علاج إرتفاع الدهنيات الذي نراه بشكلٍ كبير عند هؤلاء المرضىى. ولذلك فقد أظهرت الدراسات أن هناك فائدة كبيرة لإعطاء الأدوية من عائلة الـ (Statins) لهؤلاء المرضى الذين يستفيدون كثيراً ايضاً من الأسبيرين ومن الأدوية الأخرى المُوسّعة للشرايين من فصيلة مثبّطات الكاليوسوم مثل ال(Diltiazem).
أما في الحالات المُتقدّمة جداً لهذا المرض فالعلاج يقتضي في هذه الحالة إعادة زراعة قلب جديد، وهذا ما قد يُشكّل مُشكلة كبيرة بسبب النقص الكبير بالأعضاء الموهوبة.

د- إختلاطات قلبية مُتنوّعة:
قد تكون على شكل إلتهابات في غشاء القلب، أو حصول حال صدّ قلبي، أو حصول إضطرابات في ضربات القلب على مختلف المستويات، أو مشاكل في صمامات القلب الجديدة. وهذا إحتمال نادر لكنه قد يُصيب كثيراً الصمّام "ثلاثي الشرف" بسبب تكرار عمليات أخذ خزعة من القلب الأيمن ممّا قد يُؤذي كثيراً هذا الصمام.

b- الإختلاطات "غير القلبية" ومن أهمها:
أ- القصور الكلوي المُزمن:
وأسبابه مُتعدّدة ويأتي في مُقدّمتها التناول المُزمن لدواء الـ Ciclosporin وإرتفاع الضغط الشرياني المُزمن. وهذا المرض قد يُؤدّي إلى الوصول إلى الحاجة لغسيل الكلى أو لزراعة كلية جديدة كما ذكرنا سابقاً.

ب- الإلتهابات المُتنوّعة:
وهي رائجة جداً خلال السنة الأولى من عملية الزراعة. وقد تكون ناتجة عن إلتهابات "بكتيرية" تُصيب خاصة الرئتين. وقد تكون ناتجة عن فيروسات مختلفة مثل فيروس الـ (Herpes). ولذلك هناك أهمية لأعطاء دواء ال
(Acyclovir: Zovirax) بشكلٍ وقائي خلال فترة العلاج بواسطة الأدوية المُضادة للمناعة بشكلٍ شديد.
وقد يتسبّب بها أيضا فيروس الـ (Cytomegalovirus)، وهو ما قد يُؤدّي لحالات إلتهابات خطيرة جداً قد تطال عدة أعضاء مهمة. وهناك فيروسات أخرى مثل (Epstein barr virus) وغيرها. وهناك أيضاً إمكانية حدوث إلتهابات بالفطريات على أنواعها.
وبسبب كل ذلك فأن أي مريض خضع لزراعة قلب يجب أن يخضع لكل الفحوصات السريرية والمخبرية المطلوبة من أجل الكشف عن كل هذه الإلتهابات والجيوب والبؤر التي قد تحتويها وعلاجها بشكلٍ سريع بواسطة المُضادّات الحيوية القوية، وذلك بحسب درجة خطورة الإلتهابات. ويوجد في هذا المضمار طريقتان، فإما أن نُبقي المريض في المنزل ونُعالجة هناك لمحاولة منع نقل جراثيم المستشفى اليه، وإما أن نُدخلة إلى المستشفى حيث يتمّ إستعمال أدوية أقوى بواسطة المصل عنده.

ج- الأمراض السرطانية:
وهي ناتجة بشكلٍ أساسي عن تناول الأدوية المضادة للمناعة التي يستعملها المريض بعد الزراعة لفترات طويلة. ولذلك علينا دائماً أن نبحث عن "جرعة الدواء الأقل والأكثر فعالية" لكي نحاول تجنّب الآثار الجانبية لهذه الأدوية. وهذه الأورام قد تكون جلدية في حوالي 30 الى 60% من الحالات. ولذلك يجب أن يقوم المريض بزيارة لطبيب الجلد مرة في السنة على الأقلّ لكشف هكذا اورام. وعلية أيضاً الوقاية قدر الإمكان من سرطان الجلد عبر عدم التعرّض قدر الإمكان لأشعة الشمس. وهناك أيضاً سرطانات الغدد اللمفاوية. وهي رائجة ايضاً عند هؤلاء المرضى (%29 من السرطانات او الأورام في السنة الأولى). وهناك أيضاً سرطانات البروستات والرئة والمثانه والعضل والثدي والرقبة والكولون والكلى، والتي تزداد نسبتها جميعها أيضاً بشكلٍ كبير عند هؤلاء المرضى. ولذلك يجب البحث عن أي خلل وظيفي في وظائف كل هذه الأعضاء من أجل الكشف المُبكر والسريع عن كل أنواع هذه السرطانات وعلاجها بشكلٍ سريع أيضاً قبل أن تنتشر.

د- التغيّرات الأستقلابية وهي مُتعدّدة ايضاً وعلى رأسها:
- زيادة نسبة الإصابة بمرض السكري. وهو ناتج عن الإستعمال المُزمن لمشتقات الكورتيزون وإرتفاع مستوى الدهنيات. وهذا ما يستوجب إستعمال الأدوية المُخفّضة لهذه الدهنيات من عائلة (Statins)- كما ذكرنا سابقاً -لما لها من دورٍ كبير في الحدّ من تطوّر مرض تصلب الشرايين التاجية الجديدة.

4-التأقلم والدعم النفسي ما بعد الجراحة:
من الطبيعي أن يشعُر المريض احياناً بالقلق أو الإرهاق أثناء إنتظار عملية الزرع، أو أن يخشى رفْض العضو المزروع أو الشفاء الكامل، أو غيرها من الأمور بعد عملية الزرع. لذلك عليه طلب دعم الأصدقاء وأفراد الأسرة والإستفادة من استشارة المعالج النفسي في المستشفى من اجل مساعدته على التعامُل مع القلق والتوتر خلال هذا الوقت الصعب والعصيب ما قبل وما بعد الزراعة.
ولذلك قد يكون الإنضمام إلى مجموعة دعم مُتلقِّي الزرع مفيداً جداً في هكذا حالات، لأن الحديثُ مع الآخرين الذين يشاركون المريض تجربته، من المُمكن أن يخفِّف عنده الكثير من المخاوف والقلق.
وعلى المريض في كل الأحوال وَضْع أهداف وتوقُّعات واقعية وأن يُدرك بأن الحياة بعد الزرع قد لا تكون بشكلٍ عام الحياة نفسها قبل الزرع. ولذلك فإنّ وضع توقُّعات واقعية حول النتائج ووقت الإستشفاء وصعوبة المُراقبة وإدراك "تحدّيات مرحلة ما بعد الزرع" من المُمكن أن يساعد المريض على الحدِّ من التوتُّر.
والمطلوب منه لذلك ان يُثقِّف نفسه قدر المُستطاع حول كل هذه الأمور. وان يقرأ بقدْر المُمكن عن العملية التي اجراها، وطرحْ جميع الأسئلة حول الأمور التي لا يفهمها لأن في المعرفة قوّة وتمكين.

5-النظام الغذائي والتغذية:
بعد خضوع المريض لعملية زراعة القلب، قد يحتاج إلى تعديل نظامه الغذائي للحفاظ على صحة قلبه وأداء وظائفه على نحو جيد، لأن ذلك من المُمكن أن يساعده على الحفاظ على "وزن صحي ومثالي"، خاصةً من خلال إتّباع نظام غذائي سليم وممارسة الرياضة لأن كل ذلك يُساعد على تجنّب المُضاعفات التي قد تظهر خاصةً مع إستعمال الأدوية المُضادة او الكابته للمناعة، مثل مرض ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والسكري.
ويمكن لإختصاصي النُّظم الغذائية مناقشة احتياجات المريض الغذائية والنظام الغذائي والإجابة عن أي أسئلة لديه بعد عملية الزراعة. ويُمكن ايضاً ان يُزوّده بالعديد من خيارات الأطعمة الصحية والأفكار التي يمكنه إتّباعها في خطة تناوُل الطعام الخاصة به. وهي في معظمها إرشادات نستعملها لمنع تطوّر مرض تصلّب الشرايين والأمراض القلبية الأخرى وللوقاية منها عند معظم المرضى الذين يُعانون من مشاكل قلبية. و تتضمّن توصيات اختصاصي النُّظم الغذائية ما يلي:
-تناوُل كمية كبيرة من الفاكهة والخضروات يومياً.
-تناوُل الخبز المصنوع من الحبوب الكاملة والحبوب الغذائية الكاملة وغيرهما من المنتجات.
-شرب الحليب قليل الدسم أو منزوع الدسم، أو تناوُل مُشتقّات حليب أخرى قليلة الدسم أو منزوعة الدسم، للمساعدة في الحفاظ على ما يكفي من الكالسيوم في الجسم.
-تناوُل اللحوم خفيفة الدهن، مثل الأسماك أو الدواجن والإبتعاد قدر الإمكان عن تناول اللحوم الحمراء.
-إتّباع نظام غذائي قليل الأملاح.
-تجنب الدهون غير الصحّية، مثل الدهون المُشبعة أو الدهون التقابلية المُصنَّعة.
-عدم تناوُل الجريب فروت وعصير الجريب فروت بسبب تأثيره على مجموعة من الأدوية المثبطة للمناعة.
-تجنّب تناول المشروبات الكحولية.
-الحرص على البقاء مُرتوياً بشُرب كمية كافية من الماء والسوائل الأخرى يومياً.
-إتّباع إرشادات سلامة الأغذية للحدّ من خطر العدوى.

6-التمارين الرياضية بعد الزراعة:
بعد إجراء جراحة زراعة القلب، نوصي المريض عادةً بجعل التمارين الرياضية والنشاط البدني جزءاً مُنتظماً من حياته ونمط حياته لمواصلة تحسين صحته الجسدية والعقلية وخاصةً حالته النفسية.
وتُساعد مُمارسة التمارين الرياضية بإنتظام في التحكّم في ضغط الدم، وتقليص التوتر، والحفاظ على وزن صحي، وتقوية العظام، وزيادة قدرة المريض على أداء مهامك البدنية.
و عادة ما يُنشئ الفريق العلاجي الخاص بالمريض برنامجاً مُخصّصاً لمُمارسة التمارين الرياضية لتلبية احتياجاته وأهدافه الفردية. وننصح بأن يُشارك المريض في "برنامج القلب التأهيلي" لتحسين التحمُّل العضلي لديه ورفع مُعدّل قوته وطاقته. ويشمل برنامج القلب التأهيلي على التثقيف متعدّد الجوانب حول اسباب المرض واعراضه وعوامل خطورته، ممارسة التمرينات الرياضية المتنوّعة لتحسين صحته وقدرته على التعافي بعد جراحة زراعة القلب.
وقد يشمل البرنامج التدريبي على تمارين الإحماء؛ مثل تمارين الإطالة أو المشي البطيء. وقد يقترح احياناً الفريق الطبي العلاجي ممارسة أنشطة بدنية متنوّعة مثل المشي وركوب الدراجات الهوائية وتمارين القوة الخفيفة بوصفها جزءاً من البرنامج التدريبي. ونوصي عادةً بتبريد الجسم تدريجياً بعد ممارسة التمرين لمنع حصول حالات غياب عن الوعي وما شابه ذلك وللسماح للجسم بالتخلّص من المواد والسموم التي يفرزها اثناء التمارين الرياضية. وقد يكون ذلك رُبما عن طريق المشي البطيء او انشطة اخرى يجب دائماً مناقشتها مع الفريق العلاجي المُشرف لإختيار ما هو الأنسب والأفضل من الأنشطة الممكنة لحالة هذا النوع من المرضى كل على حدة.
وننصح عادة بأن يأخذ المريض قسطاً من الراحة إذا كنت يشعر بالتعب. وان يتوقّف عن ممارسة الرياضة إذا شعر بأعراض مثل ضيق التنفّس والغثيان او مع وجود إضطراب في سرعة القلب أو الدوار. وان يُبادر فوراً الى التواصل مع طبيبه إذا لم تختفِ الأعراض.
في الجزء القادم من هذا الملف سوف نعرض اهم وآخر التطوّرات والإبتكارات العلمية في هذا المجال وخاصة لناحية إستخراج القلب من جثث اشخاص توفّوا منذ دقائق نتيجة صدمة مُعينة ادّت الى توقّف القلب (Cardiac arrest)، وهو برنامج بدأ العمل به منذ سنوات لزراعة العديد من الأعضاء خاصة الكلى والكبد ومعظم الأعضاء التي توجد تحت الحجاب الحاجز، والذي تمّ توسيعه ليشمل إستخراج القلب في عدد من الدول منها استراليا وبريطانيا منذ عدة سنوات والولايات المتحدة في العام 2020 وقد تعتمده دول اخرى لاحقاً لأنه يطرح بعض الإشكاليات الفلسفية والعقائدية والأخلاقية التي تسعى بعض الدول لحلّها قبل تعميم هكذا إستخراج. كذلك وسوف نتطرّق بشكلٍ تفصيلي للتطوّر الذي حصل مُؤخّراً بزراعة قلب الخنزير المُعدّل وراثياً او جينياً" عند البشر وهو البرنامج الذي بدأ العمل به مع بداية العام 2022 ايضاً في الولايات المتحدة الأميركية.

د طلال حمود- طبيب قلب وشرايين،
مُتخصّص في علاج امراض القلب بالطرق التدخّلية وفي علاج مرضى القلب المُصابين بمرض السكّري،
مُنسّق ملتقى حوار وعطاء بلا حدود


الأكثر قراءةً