طروب... بين الأمس واليوم

Wednesday, September 30, 2020



قد يحمل الاعتزال في طيّاته معانٍ عديدة، منها العزلة والانفراد بالنفس والابتعاد عن الأضواء، في حين يرى البعض الآخر فيه هروباً من تعب الحياة وقساوتها والابتعاد عن المشاكل والتقرّب من الله الذي نلجأ إليه بحثاً عن الطمأنينة والسلام، في حين يذهب آخرون لرؤيته انتحاراً وآخرون يفهمون فيه حياةً جديدة تلائم متطلّبات النفس.
تتعدّد التفسيرات والأسباب حول اعتزال الأضواء والمجتمع والشهرة، فهو يخلق للبعض أحلاماً في حين أنّه ينهيها عند آخرين.
طروب، فنانة شركسيّة لمع نجمها في منتصف القرن الماضي في بيروت، وكانت رائدة في عملية تجديد الأغاني العربية، منها "يا دادة يا ختيارة"، "يا مصطفى"، "آمان يا دكتور"، "يا صبابين الشاي"، "ع الكورنيش"، وغيرها الكثير...
امتازت طروب بطلّتها الشقراء وصوتها الجهور وألحانها الشادية المتجدّدة، وشكّلت مع محمد جمال ثنائياً فنياً وحياتياً، تنقلت في عدد من البلدان بين تركيا ولبنان والعراق ومصر ولندن وغيرها الكثير حتى قرّرت أواخر الألفيّة الثانية أن تعتزل الفن والشهرة وتستقرّ في القاهرة.

الاعتزال، انتحار أم حياة جديدة؟
أسئلة كثيرة تجتاح الفكر حول سيّدة جميلة تخلّت عن شهرتها وفنّها واستعاضت عنها بالصلاة والانفراد بمنزلها؛ أيكون اعتزالها انتحاراً فنياً أم حياة شخصية جديدة؟ حملنا أسئلتنا وتوجّهنا بها الى السيّدة طروب لأنّها الوحيدة التي تحمل الجواب اليقين.

بين الأمس واليوم:
اختلفت الحياة بين فنانة تعصف بها رياح الكفاح والسهر والقلق، وبين حياة اليوم التي تتّصف بالسكينة والهدوء والسلام، وتشدّد طروب في حديثها على عبارة "الخوف من الغد" التي رسمت حياة الفنانة التي كانتها وعاشتها.
تصف طروب نفسها في حقبة العز الفنيّة بحصان سباق، إذ كانت تركض ولا تحسّ بالحياة تدور بها ومن حولها. لم تشعر حينها بشبابها ولا بجمالها، بل اقتصر همّها على تحقيق النجاحات وابتداع الألحان الجميلة والأغاني الضاربة. تعزو ذلك الى ضغط الحياة ومسؤولياتها العائليّة التي حتّمت عليها أن تنجح في عملها لتستمرّ وتؤمّن المتطلبات، وتقول "العبء الذي كان في حياتي آنذاك لم يشعرني بكل ما هو جميل، لا شهرة ولا جمال ولا أضواء ولا نجاح أو مجد".
"حياة الفنانة كانت متعبة ومقلقة"، تصرّح طروب، لأنّ الفنان وإن استُقبل بحفاوة في الصحافة وعلى المسارح، إنما يعتريه بعدها خوف الاستمرارية وتقديم الأفضل للبقاء ضمن دائرة الضوء ومحبة الجمهور.
أمّا اليوم، بعد الاعتزال والحجاب، فالاختلاف جذري حيث الراحة والأمان والأمن والاستقرار والهدوء والسكينة. إنّها حياة تخلو من مفردات التعب والقلق، رغم عدم توفر السيولة المادية الناجمة عن الحفلات وعقود العمل كما في السابق نظراً لتوقف المردود الذي صار مقتصراً اليوم على وديعة مصرفيّة "تسترني"، على حدّ تعبير طروب، حيث تعتبر أنّ الله عزّ وجلّ عوّض لها غياب الأضواء والشهرة بالستر والأمان.

بحزم تنفي البزخ من حياتَيها الفنيّة واليومية، وتشدّد على أهمية الاقتصاد مستعينة بالمثل الشعبي القائل "على قدر بساطك مدّ رجليك"، وتتابع: "في عزّ النجاح لم ألجأ الى الثياب الباهظة والماركات العالمية فهي لا تعني لي شيئاً، لطالما استعنت بخبرة خياطين أصدقاء في بيروت".
وعند سؤالها كيف ترى نفسها سيدة مجتمع ام فنانة تجيب طروب "لا فرق، أنا طروب الفنانة ولي اسمي وتاريخي وجمهوري وكفاحي وفني" وتتابع "الفن لم يغيّر في طروب شيئاً، بل أعطاها صفات جميلة استثمرتها حتّى بعد الاعتزال".
أولويات حياة المطربة والملحنة كانت الفن والنجاح والعائلة، وبعد الاعتزال اقتصرت الأولويات على الصحة والعافية والعبادات.
وفي نظرة الى الزمن الذهبي ومقارنته بعصر اليوم تقول أنّه كان زمناً جميلاً ولكن صعباً لا يسهّل عملية الانتشار كما هو حاصل اليوم مع تعدّد القنوات الفضائية ووسائل التواصل الإجتماعي، و"أنا واثقة أنّ أيّ من فناني الزمن الجميل لو قدّر لهم العيش في زمننا الحالي لكانوا أبدعوا أكثر وانتشروا وصنعوا اسماً باهراً كما فعلوا وربما أكبر"، تختم طروب التي لا تزال أغانيها حتى اليوم معروفة، ويجدّدها الفنانون، وهذا دليل على بصمة خاصة لها في عالم الفن.

بين مجتمع الأمس واليوم تقول طروب أن مستمع الأمس كان راقياً ومقدّراً للفنّ والفنان، بينما اليوم فبات الفن سلعة سريعة الاستهلاك.



قرار الاعتزال:

لم يكن قرار الاعتزال وليد اللحظة، بل كان موجوداً حتّى في عزّ النجاح. كان أمنية تراود طروب دوماً وتردّها الى مرضاة الله، أمّا توقيته فقد جاء ببركة إلهية وحسب المكتوب.
وفي التفاصيل، تقول طروب أنّها تواظب على الصلاة منذ العام 1972 حتى اليوم من دون أيّ انقطاع، وهي كانت قد مرّت بمحطات عديدة في حياتها قادتها الى الاعتزال.

المحطة الأولى: في سنّ المراهقة كانت طروب تعمل في مطعم "منصور" في منطقة الزيتونة ببيروت، و تتابع: "ذات ليلة بعد انتهاء عملي وقد كنّا نقطن فندقاً جنب البحر، وفي طريق العودة مع والدتي، وأنا أتأمّل البحر الذي كان شديد السواد في الليل، رأيت السيدة العذراء متّشحة بالبياض وقد امتدّت من أعلى الأفق وغطّت البحر ببياضها وكانت تحضن بيدها السيد المسيح، وفستانها كان داخل هلال مشعّ وقد ارتسمت على وجهها بسمة ودودة خلّفت في نفسي الأثر العميق حتى عجز لساني عن الكلام".

المحطة الثانية: "في ليلة عيد الميلاد تراءى لي ميلاد السيد المسيح عند منتصف الليل، ولا أدري ما سرّ الساعة الثانية عشرة عند منتصف الليل في حياتي، لقد رأيت مغارة عميقة وفي أسفلها سرير خشبي ينام عليه طفل صغير مبتسم".
عديد من المحطات الأخرى دفعت طروب الى قرار الاعتزال.

المحطة الثالثة والحاسمة: في نهاية المطاف، كانت طروب تعمل منتصف التسعينات في نايت كلوب فندق شيراتون الجزيرة (صوفيتيل اليوم)، وكانت تغني مع الفنان سمير صبري لمدّة ثلاثة أشهر، وعندما طلب إليها تجديد العقد لجأت الى الصلاة كالمعتاد لاستلهام القرار الصحيح، فسمعت عصراً، حين كانت تصلّي، صوتاً قوياً داخل رأسها يقول "أتريدين ترك الفن ولديك عاهة؟"، اعتراها خوف شديد قادها الى الاعتزال وترك الفن والماضي الجميل لأنّها قرأت بتمعّن التحذير أوالرسالة السماوية، واختارت الهدوء والأمن على صوت التصفيق وأضواء الشهرة التي "صارت من الماضي ولا يهمني العودة اليها بتاتاً، فطريقي قد ابتعد نهائياً عن هذه الضوضاء"، تختم طروب.


بين الفن والصلاة والندم:
الحجاب أو الحشمة تعني الالتزام بالمظهر الخارجي المتناغم مع الصفات الداخلية، "لا أندم بيوم من الأيام على مسيرتي الفنية لأن كل شيء مكتوب بترتيب ونظام ووقت بإرادة الله سبحانه وتعالى"، رغم أنّ بعض الأصدقاء والجمهور اعتبروا أنّها احتجبت باكراً عن الأضواء، وتتابع طروب "تركت الماضي بما فيه وصار لي طريق جديد اليوم يسعدني ويريحني ولكنني غير نادمة على أيّ تفصيل في حياتي"، وتنفي أن تكون قد تعرّضت لأي مضايقات في حياتها الدينيّة الجديدة.

الذكريات والمذكرات:
لا تحب أن تكتب يومياتها، وترفض كتابة مذكراتها او نشرها او حتى تحويلها الى قصة أو مسلسل، لأنّها من خصوصياتها وتشدّد على أنّ الماضي انتهى ومات ولا لزوم لاعادة احياء الميت.

قصة أغنية:
مع فريد الأطرش، ربطت طروب علاقة صداقة وحبّ واحترام بدأت حين كانت مرتبطة بالفنان محمد جمال حيث كانا يقضيان الأيام في منزل الأطرش، وبعد الانفصال تودّد فريد الى طروب فارضاً عليها شروطاً رأتها في حينها متعبة لا بل تعجيزيّة للارتباط به، منها عدم ممارسة ايّ نشاط فني بدونه، وعدم الخروج من المنزل إلا بإذنه ومعيّته أو بمرافقة أحد أفراد العائلة، وغيرها من الشروط التي رفضتها طروب سيّما وأنّها كانت لا تزال خارجة من محنة مماثلة.
ولأنّها لم تعلم كيف تجيبه هربت فابتعدت واختفت وانقطعت اخبارها عنه لمدّة سنتين، الى أن التقيا في منزل أحد الأعيان الكويتيّين في منطقة اليرزة – بيروت حيث ضمّت الحفلة باقة كبيرة من الفنانين المصريين واللبنانيين، و بعد تدخّل صاحب المنزل، وفضفضة القلوب، كانت الصلحة عبارة عن أغنية "ع الكرونيش" التي لاقت نجاحاً منقطع النظير.


الاستقرار في مصر:
خرجت طروب من بيروت في الحرب اللبنانية الى دمشق ومنها انتقلت الى الأردن فتركيا وثمّ لندن حيث كانت محطات عمل تبحث فيها عن شيء لا تجده على حدّ قولها.

في لندن كان قراراً مشتركاً مع الوالدة أن تعود السيّدتان الى مصر، الأم الحاضنة التي لها أفضال على كثير من الفنانين، هناك حيث بدأت طروب مشوارها في السابق مع محمد جمال وصنعا اسمهما الفني، وطال الوقت ولم يهدأ للبنان حال فاستقرّت طروب في مصر، وتقول "ليس بيد المرء ان يختار المكان الذي سيستقر فيه، فمكتوب ومحتّم علينا أن نعيش في مكان ونموت في مكان وفقاً للخطة الإلهية المرسومة لكل انسان".

مع محمد جمال:
تغرّد طروب قائلة: "الحياة الزوجية صفحة وانطوت بكل ما فيها، وتابعنا علاقتنا كأصدقاء، أمّا كفنان فقد شكّلنا ثنائياً مشهوراً في الوطن العربي، وساعدتنا صفاته الفنية كموسيقار وملحن، اضافة الى جمال خلقه".

تقييم طروب لفنها :
حياة المطربة والملحنة تراها طروب عبارة عن كفاح وتعب وجهد ونجاح وللغاية تعطي لنفسها علامة عشرة من عشرة بدرجة امتياز.
الأفلام التي قامت ببطولتها، تسرّ لنا طروب بأنّها كنت مضطرة للعمل فيها لأنها كانت السبيل الوحيد للتواجد والانتشار، وللغاية تقيّمها بدرجة متوسّطة تتراوح بين خمسة وستة من عشرة.
أمّا حياتها اليوم فتقيّمها بدرجة ممتاز وتستحق عشرة من عشرة.
رسالتها بعدما وجدت الهدوء الى مجتمع اليوم "الدنيا غرورة، وفارغة. طموح الانسان وأحلامه حقّ مشروع، لكن الحياة قصيرة"، وتتابع موضحة مفهومها عن الحب أنّه منبثق من السلام والطمأنينة، واستشهدت بمقولة الإمام علي "اعمل لدنياك كأنك تعيش ابداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً".

الحياة اليومية:
تستفيق قبل صلاة الفجر لتصلي قيام الليل والفجر، وبعدها تقوم طروب برياضتها الصباحية، لترتاح قليلاً وتتابع حياتها ككل سيدة بيت من تحضير الفطور والغداء واتصالات عائلية ومع الأصدقاء، مع المحافظة على مواعيد الصلاة والعبادات والتسابيح. كما تتمتع بتحضير وجبات الطعام التي تتقنها للأصدقاء.

سيدة المهرجانات والحفلات صارت تنام اليوم باكراً بعد صلاة العشاء لتستفيق قبل الفجر لتأدية الصلوات اليومية.

الماضي انتهى وقد وزّعت طروب كل ثيابها واكسسواراتها لمن يحتاجها لأنّ لها طابع خاص بها، ولا تمانع ابداً بتقديم أي شيء من مقتنياتها اليوم لمن يطلبه منها.


أماني وهدايا:

أمنية استقدام شخص من الماضي: "مصطفى سطر"، رجل تركي، هو حب طروب الكبير في ستينات القرن الماضي، وتتمنى أن تستعيده من ماضٍ غابر.

طلباتها بسيطة بمثل بساطة حياتها، فمن مصر الى بيروت تهدي الجبنة الرومي، ومن بيروت تطلب المكسرات، ومن تركيا تطلب الملبن.

التحليل النفسي:
طروب الفتاة الشركسية هي صاحبة شخصية قوية، نلمس قوتها في منظرها الخارجي وطريقة اعتلائها للمسرح والفن الذي قدّمته وتجديد الاغاني، فهي لم ترضخ للقيود التي كانت مفروضة منتصف القرن الماضي في بيروت والعالم العربي، وهي بقوتها ايضاً استطاعت التخلي عن الشهرة والعمل والمدن ولم تتمسّك بشيء الا براحتها.
هي سيدة الاتزان والقرار الجري القاطع.
قرار اعتزال طروب لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة ارادتها الشخصية وطلبها للراحة والابتعاد عن القلق والجهد الدائم والسهر، وكلّها عوامل كانت تبعدها في السابق عن حياتها الداخلية التي جاء صوتها صارخاً في محطات حياتها الثلاث قبل الاعتزال. ليست شخصية سطحية، ولم تحب الاضواء لمجرد الشهرة، ولم تهرب بالطبع من تحديات الحياة فهذه ليست من سمات شخصيتها الجريئة التي تجلّت في مختلف خياراتها، وفي انتفاضتها على ظلم الرجل الذي لم تقبل يوماً استغلاله لها، ورفضت أن تذوب فيه كما أن تذوب في جمهورها فحافظت على كيانها المستقل.
هل عاشت طروب فعلاً التناقض في حياتها؟ هل أحبّت بالعمق الشهرة والأضواء؟ هل كانت السكينة حلمها الحقيقي؟
قد تكون حياة طروب عبرة لكثير من السيدات اللواتي تتذمرن من الحياة الطبيعية في حين اخريات تنفضن عنهنّ الضوء لتخترن البساطة والسكينة والراحة، وعبرة لكثير من الفنانين الذين ينهارون عندما يخفت الضوء عنهم ويتبدّل، إلا أنّ طروب هي من اختارت أن تطفئ أضواءها بنفسها، وهنا مكمن قوتها.


خلاصة:

عكست طروب حياة الشهرة بالتعب والضغط والمسؤوليات وتعيش اليوم حياة القناعة والهدوء وفضّلت الإنسانية على النجومية، والصحة الجسديّة على الأضواء.

وحسب دراسة الحالة نجد أنّ الاعتزال كان في حياة طروب حاجة منذ بدياتها لأنّها طالما بحثت عن الطمأنينة والاستقرار، لم يكن هروباً ولا خوفاً بل قراراً في الوقت المناسب، ولا انتحاراً لأنّها غير نادمة على حياتها الفنيّة بل فخورة فيها، ولا استسلاماً للعمر لأنّها متصالحة مع السنين.

وفي كلمة مؤثرة بنهاية اللقاء قالت طروب الى كلّ من معدّ هذه الدراسة (دكتور روي ج. حرب) ومنسّقة اللقاء (الآنسة مايا ابراهيم)، "أشكركم لأنّه لم يسبق لأحد أن سألني مثل هذه النوعية من الأسئلة".

اعداد الدراسة: دكتور روي ج. حرب
منسقة التواصل: الآنسة مايا ابراهيم

مقالات مشابهة

حرائق لبنان بحسب المناطق.. تجدد حريق بنتاعل في قضاء جبيل

وفد من "نادي الشباب" في جامعة رفيق الحريري في "بيت الوسط"‏

أوهم ضحاياه بشراء شققهم المعروضة للبيع مستخدما أسماء وهمية!

29 إصابة كورونا جديدة و26 حالة شفاء في محافظة عكار

تيننتي: تسجيل حالات كورونا جديدة في صفوف اليونيفيل

بلدية مغدوشة: شفاء 27 حالة من أصل 34