مفهوم حكومة تصريف الأعمال... وصلاحياتها

Saturday, November 2, 2019

أعدّ د. محي الدين الشحيمي، وهو استاذ في جامعة السوربون - باري دو، دراسة شاملة حول مفهوم حكومة تصريف الأعمال، إليكم مضمونها:


المقدمة
قليلة هي الآراء الفقهية والاجتهادات القانونية والسياسية ,التي تناولت وعالجت مفهوم حكومة تصريف الاعمال , تلك الحالة المتكررة دائما كتعاقب الفصول في نظامنا السياسي , هي تلك الحالة التي تتوسط مرحلتين اثنتين , حيث الاولى وهي المرحلة والتي تكون حالة الحكومة فيها بحكم المستقيلة او مستقيلة ,والثانية وهي مرحلة تأليف الحكومة الجديدة .
حيث ان هناك مبدأ دستوري هام جدا يقضي بضرورة استمرار الادارة والمرافق العامة في الدولة والذي يعد مبدا مؤسس وأساسي لنظرية تصريف الاعمال هذه الحالة الواقعية , حيث انه لا فراغ في السلطة .
يقول العلامة الكبير ادمون رباط :” انه من الضرورات المستحكمة في حياة الدولة وتطبيقا لمبدأ استمرار الادارة ان تبقى الحكومة المستقيلة مولجة , وذلك بتكليف من رئيس الجمهورية ,وبموجب كتاب يوجهه اليها اثر قبوله استقالتها بتصريف الاعمال العادية .”

أولا : تعريف حكومة تصريف الاعمال
تعرف حكومة تصريف الاعمال بانها تلك الحكومة المتحولة من حكومة طبيعية بكامل الصلاحيات , الى حكومة محدودة بصلاحياتها ,حيث انها الفترة الانتقالية بين الحكم التنفيذي للسلطة الاجرائية , وحدود تأمين استمرارية العمل الحكومي في حدوده الادارية , ذلك الامر بسبب ممارسة دستورية طبيعية ناجمة بديهيا عن واقع سياسي جديد يتمثل اما باستقالة الحكومة او باعتبارها بحكم المستقيلة بتوافر لاحدى شروط الاستقالة والمنصوص عنها في الدستور اللبناني (64) , اي متحولة بذلك الامر من حكومة عادية بكامل الصلاحيات الى حكومة ذات صلاحيات محدودة ولمدة مؤقتة وانتقالية .
هكذا وقد اكدت العديد من الدول ايضا من خلال دساتيرها على نظرية مبدأ حكومة تصريف الاعمال تفاديا للفراغ في السلطة والمؤسسات فنجد ان المادة (103) من الدستور الكويتي والتي تنص على انه اذا تخلى رئيس الوزراء او الوزير عن منصبه لاي سبب من الاسباب يستمر في تصريف العاجل من شؤون منصبه لحين تعيين خلفه .
وكذلك الامر تحدثت المادة (96) من الدستور الجزائري : “اذا لم تحصل الحكومة من جديد موافقة المجلس الشعبي الوطني ينحل وجوبا وتستمر الحكومة قائمة في تسيير الشؤون العادية الى غاية انتخاب المجلس الشعبي الوطني وذلك في اجل اقصاه ثلاثة اشهر .
ونجد ايضا المادة (101) من الدستور الاسباني فقرة (1) : ” تنتهي مهمة الحكومة بعد اجراء انتخابات عامة او في الحالات المنصوص عليها في الدستور بخصوص سحب ثقة البرلمان من الحكومة او عند استقالة رئيس الحكومة او وفاته وتحدثت الفقرة الثانية من هذه المادة :” تواصل الحكومة التي انتهت مهمتها تصريف الاعمال الى حين اضطلاع الحكومة الجديدة بمهامها .”
اما في المغرب فالقانون التنظيمي رقم (065.13) الذي يتعلق بتنظيم وتسيير اشغال الحكومة والوضع القانوني لاعضائها , حيث ورد في الباب الرابع المتعلق بالقواعد الخاصة بتصريف الحكومة المنتهية مهامها للامور الجارية ومهام الحكومة الجديدة قبل تنصيبها من قبل مجلس النواب , حيث نصت المادة (36) : طبقا لاحكام الفصلين 47 ,87 من الدستور تستمر الحكومة المنتهية مهامها لاي سبب من الاسباب في تصريف الامور الجارية كما هي محددة في المادة( 37 ) ,والتي تنص بدورها :”يراد بعبارة تصريف الامور الجارية ” , اتخاذ المراسيم والقرارات والمقررات الادارية الضرورية والتدابير المستعجلة اللازمة لضمان استمرارية عمل مصالح الدولة ومؤسساتها وضمان انتظام سير المرافق العامة .
يوجد رأي من الفقه يرى ان حكومة تصريف الاعمال شأنها شأن الحكومة العادية والتي لا تزال في السلطة ومتقلدة لامور سلطتها , في الجانب الشرعي لمشروعية تولي السلطة بكامل صلاحياتها واختصاصاتها , حيث لا يمكن تقييدها في ميدان تصريف العاجل من الامور والمستجدات .
في بعض الاحيان استعمل هذا المصطلح واستخدم كوسيلة من قبل الحكومات المستقيلة للتهرب من اتخاذ القرارات ذات الطبيعة المحرجة سواء من النواحي (السياسية , الاقتصادية والاجتماعية ) .
لقد اجتمع الرأي الغالب من الفقه ان نظرية تصريف الاعمال موجودة فعلا , واخذت مجالها في التطبيق العملي , وحيث ان القضاء الدستوري ساهم اساسا في اجلاء لبعض جوانب الموضوع , فمن الممكن ايضا ان تتحقق هذه النظرية بسيناريو آخر وهو عند حل البرلمان حيث تشترك كلتا الحالتين “استقالة الحكومة وحل البرلمان ” , في عامل مشترك واحد وهو فقدان الرقابة البرلمانية على عمل الحكومة ,او في أقل الامر من جعل مثل هذه الرقابة غير منتجة لآثارها القانونية .

ثانيا : لبنان , النظام الديمقراطي , الفصل بين السلطات
جاء في مقدمة الدستور اللبناني الفقرة (ج) : “ان لبنان هو جمهورية ديمقراطية برلمانية , تقوم على احترام الحريات العامة , وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد , وعلى العدالة الاجتماعية ,والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز او تفضيل .”
ان النظام البرلماني في لبنان ينص في مقدمة الدستور الفقرة (ه) صراحة على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها والمقصود هنا بالتعاون في ان يتمكن البرلمان ويتاح له وجوبا بقوة القانون من مراقبة الحكومة بشكل مستمر , حيث يقوم النظام البرلماني على ركيزة اساسية وهي تعتبر بمثابة حجر زاويته والمتمثلة بمسؤولية الحكومة امام البرلمان , اي انه لا يمكن للحكومة ان تمارس سلطاتها وصلاحياتها من دون التمتع بثقة المجلس النيابي , نواب الامة وبالتالي ووكلاء الشعب , اي ثقة الشعب بطريقة غير مباشرة .
حيث ان الاساس لذلك وفي اي قاعدة للحكم ان :”لا سلطة بدون مسؤولية ” , بحيث لا يجوز ان تستمر الحكومة في اختصاصاتها وفعاليتها الطبيعية من دون الرقابة على اعمالها من قبل البرلمان والذي يعتبر المنشأ والاصل في اي نظام سياسي ديمقراطي , اذ ان النظام البرلماني هو نظام التعاون المتوازن بين السلطات , فبين السلطتين التشريعية والتنفيذية المستقلتين عن بعضهما استقلالا يقوم على التعاون وعلى تبادل الرقابة بينهما , بمعنى أخر انه نظام يقوم على تنظيم السلطات العامة وتوزيعها على هيئات مختلفة والفصل المرن بينهما , وايجاد آليات للتعاون في ممارسة الاختصاصات وتقرير وسائل للتأثير المتبادل لغرض تحقيق التوازن السياسي.
حيث ان مبدأ الفصل المرن بين السلطات والتعاون المتناغم ضمن مبدأ الاستقلالية لكل سلطة والفكر المستجد بمبدأ الرقابة المنتجة لآثارها القانونية هو الذي اخرج لنا واسس لما يعرف لنظرية تصريف الاعمال .
بناء على ذلك فان النظام البرلماني يعمل على تساوي كل سلطة مع الاخرى من الناحية القانونية دون اي تبعية او اي سيطرة لاحداها على الاخرى , الا ان هذا التساوي يعني من ناحية اخرى ضرورة تعاون كل سلطة مع الاخرى بمعنى العلاقة المتبادلة فيما بينهما والتي تربط بالتالي السلطة التشريعية بالسلطة التنفيذية من ناحية , وبشكل معاكس العلاقة او الرابط القانوني والذي يجمع السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية ايضا .
بشكل عام فان النظام البرلماني يمتاز بمجموعة من الخصائص من ابرزها ثنائية السلطة التنفيذية حيث انها تتجسد بعضوين مختلفين عضو مستقل وهو رئيس الجمهورية , وعضو جماعي وهو رئيس الحكومة والتي يرتبط بقاؤها بالسلطة بتمتعها بثقة البرلمان .
فالحكومة هي اذن همزة الوصل بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية . حيث ان رئيس الجمهورية غير المسؤول سياسيا انه رمز الدولة وحكمها , والمسؤولية هنا تقع على عاتق الحكومة والوزراء ورئيسها . حيث ان الحكومة نشأت تاريخيا الى جانب الملك لكي تسأل امام البرلمان , ولكي تتحمل عن الملك المسؤولية , ومن هنا نشات قاعدة عرفية تقول ومفادها بان الملك الذي يملك ولا يحكم لا يصدر قرار في شؤون الدولة , الا اذا وقع عليه احد الوزراء حتى يتحمل المسؤولية عن الملك والذي لا يسأل سياسيا .
ان السلطة التنفيذية والحكومة منها خصوصا في النظام البرلماني هوالطرف المسؤول سياسيا عن شؤون الحكم لانها هي التي تمارس السلطة الفعلية حيث تنص المادة (65) من الدستور اللبناني والمعدلة بالقانون الدستوري الصادر في21-9-1990 ما يلي :” تناط السلطة الاجرائية بمجلس الوزراء . وهو السلطة التي تخضع لها القوات المسلحة, ومن الصلاحيات التي يمارسها:
1- وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات ووضع مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية واتخاذ القرارات اللازمة لتطبيقها.
2- السهر على تنفيذ القوانين والانظمة والاشراف على اعمال كل اجهزة الدولة من ادارات ومؤسسات مدنية وعسكرية وامنية بلا استثناء.
3- تعيين موظفي الدولة وصرفهم وقبول استقالتهم وفق القانون.
4- حل مجلس النواب بطلب من رئيس الجمهورية اذا امتنع مجلس النواب, لغير اسباب قاهرة, عن الاجتماع طوال عقد عادي او طوال عقدين استثنائيين متواليين لا تقل مدة كل منهما عن الشهر او في حال رده الموازنة برمتها بقصد شل يد الحكومة عن العمل. ولا تجوز ممارسة هذا الحق مرة ثانية للاسباب نفسها التي دعت الى حل المجلس في المرة الاولى.
5-يجتمع مجلس الوزراء دوريا في مقر خاص ويترأس رئيس الجمهورية جلساته عندما يحضر. ويكون النصاب القانوني لانعقاده اكثرية ثلثي اعضائه, ويتخذ قراراته توافقيا. فاذا تعذر ذلك فبالتصويت , ويتخذ قراراته بأكثرية الحضور. اما المواضيع الاساسية فانها تحتاج الى موافقة ثلثي عدد اعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها. ويعتبر مواضيع اساسية ما يأتي:
تعديل الدستور, اعلان حالة الطوارىء والغاؤها, الحرب والسلم, التعبئة العامة, الاتفاقات والمعاهدات الدولية, الموازنة العامة للدولة, الخطط الانمائية الشاملة والطويلة المدى, تعيين موظفي الفئة الاولى او ما يعادلها, اعادة النظر في التقسيم الاداري, حل مجلس النواب, قانون الانتخاب, قانون الجنسية, قوانين الاحوال الشخصية, اقالة الوزراء…..”
فالحكومة اذا في النظام البرلماني هي التي تحكم فعليا وبالتالي تسأل سياسيا , لذلك يكون لها الدور الفعلي الرئيسي في مجال وميدان السلطة التنفيذية وعليها تقع المسؤولية السياسية ,عطفا على ما سبق ان من اهم خصائص النظام البرلماني هي صفة التوازن والتعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من خلال رابطة عقدية تقوم على فكرة التوازن في القوة , بمعني ان لكل منهما ما يستطيع به من خلال الاليات والاجرءات لان يوقف القوة الاخرى والتأثير فيها .
حيث ان البرلمان قوة وكتلة من السيادة والسلطة مصدرها الشعب , بحيث انه يتلقى قوته من الامة كوكيل عنها ممثل لها وعنها فالمادة 27 من الدستور اللبناني والمعدلة بالقانون الدستوري الصادر في 21-1-1927 تقول:” عضو مجلس النواب يمثل الامة جمعاء ولا يجوز ان ترتبط وكالته بقيد او شرط من قبل منتخبيه ” ,والحكومة هي القوة المهيمنة على التنفيذ بحسب الدستور اللبناني , وتسأل سياسيا امام البرلمان بحسب المواد (124-125-126-131-137-138-139-136 ) من النظام الداخلي لمجلس النواب .
انا بالنسبة للتعاون فانه من اهم مظاهر النظام البرلماني ونعني به قيام علاقة تعاون بين السلطتين يكون متبادلا بمحورين وشكلين اساسيين علاقة السلطة التشريعية بالتنفيذية والعكس منها .
فمثلا ان علاقة السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية كأن تباشر السلطة التنفيذية الاعمال والتي تتعلق بعملية الانتخاب واجراء الانتخابات بمواعيدها ,وهناك ايضا تدخل وتعاون السلطة التنفيذية في عملية التشريع من خلال اقتراح المراسيم واشتراك السلطة التنفيذية مع البرلمان في بعض الوظائف المالية , كأن يقوم وزير المالية بتحضير مشروع الميزانية العامة للدولة , وان يتقدم بها للبرلمان لاقرارها .
كما انه يمكن الجمع بين عضوية البرلمان والوزارة , حيث ان ذلك شكل مهم للتعبير عن الروابط الوثيقة والمتينة بين السلطتين وعليه فان هذا السلوك يؤدي الى تعاون السلطتين في آداء مهمتها , حيث يمكن للوزارء من حضور جلسات البرلمان بصفتهم الرسمية .
ان من علاقة السلطة التشريعية بالسلطة التنفيذية وماهية التأثير من خلال ادوات ووسائل الرقابة الممنوحة ومنها السؤال والاستجواب , حق اجراء التحقيق البرلماني وانتخاب رئيس الجمهورية (حيث يعتبر البرلمان الهيئة الناخبة الوحيدة والتي تنتخب رئيس الجمهورية ) , متحولا بالتالي الى هيئة انتخابية لانتخاب الرئيس في المهل الدستورية المحددة , والاشراف السياسي عن المسؤولية الوزارية حيث ان للمجلس النيابي الحق في الرقابة على اعمال كل وزير على حدى وعلى الحكومة باجملها .
ان مبدأ ” اقرار القانون من اختصاص البرلمان ” هو مبدأ متعارف عليه في مختلف الدساتير لان البرلمان انشئ لكي يختص بالتشريع , ومن هنا تكنى بكنيتها واطلق عليه اسم السلطة التشريعية في السلطتين التنفيذية والقضائية , بحيث تلعب البرلمانات دورا مهما في اقامة المنظومة القانونية والتي تنظم حياة المجتمع , ومن ثم التأكد من ان ادارة شؤون العامة تتم في اطار من الشفافية والمحاسبة والرقابة .
تعتبر البرلمانات عنصرا اساسيا وحجر الاساس والزاوية في ترسيخ النهج الديمقراطي الذي من شأنه تعزيز مفاهيم ومبادئ ومعايير الحكم بحيث تؤدي السلطة التشريعية دورا هاما وحيويا في ترسيخ النهج الديمقراطي , ذلك من خلال وظائفه الرئيسية المتمثلة بالتشريع والرقابة على اعمال السلطة التنفيذية .
في الحقيقة تعد الوظيفة الرقابية من اهم الوظائف التي يمارسها البرلمان لانها تجعل من السلطة التنفيذية تتصرف في حدود الشرعية والقانون وبما يحقق المنفعة العامة , فضلا عما تحققه من توازن بين السلطات , حيث انه من خلالها يمكننا اطلاع المجتمع على ما يجري في الواقعين السياسي والاجتماعي , كما ان هذه الرقابة والتي يمارسها البرلمان على السلطة التنفيذية تمثل في جوهرها , مراقبة التصرف في شؤون السلطة لجعلها توافق تطلعات المجتمع الوطني , حيث ان اهمية البرلمان لا تكمن فقط في دوره الاساسي وهو التشريع , وانما ايضا في قدرته على التوجيه ورقابة نشاط الحكومة في اطار ارادة الرأي العام .
حيث تقوم البرلمانات بالاضافة لوظيفتها التشريعية بدور الرقيب على تصرفات السلطة التنفيذية , بهدف ضمان سيرها في الاتجاه المتفق عليه مع ارادة الامة التي يمثلها .
ان الاختصاص التشريعي وهو”الاختصاص الاصيل للبرلمان “ولكنه لم يأتي بشكل سابق على الاختصاص الرقابي , حيث ان الاختصاص المالي هو الاختصاص الاقدم تاريخيا , بل والسبب المباشر لنشأة البرلمان ,وكما يرى البعض فان البرلمانات مارست الوظيفة المالية بادئ ذي بدء من الامر , ومن ثم مارست الدور او الوظيفة التشريعية , بحسب قواعد مماثلة ومتشابهة.
لقد عدت الرقابة البرلمانية الحقيقية ضرورة لازمة لانها تحقق السيادة الشعبية والتوازن فيما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وترفع من مستوى الحكم , فهي تمارس باسم الامة والشعب والذي يعتبر مصدر كل السلطات حيث انه من حق الشعب ان يراقب اعمال السلطات وفقا لما اقره القانون والدستور فالوظيفة الرقابية للبرلمان هي جوهر الديمقراطية بالادوات التقنية , والاليات هي جوهر الديمقراطية باحترام اجراءاتها لمهمتها الرقابية , في الفصل المرن في التعاون الفعال والمنتج لاثره بين السلطات .
حيث تمثل الرقابة البرلمانية المظهر الاول والاهم في الرقابة الخارجية على السلطة التنفيذية , بحكم ان اعضائها يستمدون سلطاتهم من رقابتهم على السلطة التنفيذية , من كونهم الجهة الشرعية الممثلة لارادة الشعب والامة والمجتمع . المعبرة عن رغباتهم فهم خيار الامة والشعب واليهم اسندت ولاية التمثيل ,وقد يتوقف كل نجاح لعملية الرقابة البرلمانية على مدى توفر الاطار القانوني المناسب لها والموارد المادية والبشرية الكافية وتعزيز الشفافية والثقافة السياسية ,وتوفرالخبرة الديمقراطية للنواب بما يمكنهم من ممارسة الرقابة بشكل مهني , صادق وفعال .

ثالثا : الرقابة على الحكومة في مرحلة استقالتها
حيث ان النظام اللبناني “برلماني ديمقراطي” فهو يتأسس على ركيزة محورية مفادها مسؤولية السلطة التنفيذية امام البرلمان اي لعملية ربط ممارسة الحكومة لصلاحياتها بحصولها على ثقة مجلس النواب ولما كانت هذه الثقة لا تتجسد فقط عند منحها هي , بل انها تمتد بمفاعيلها لتشمل عمر الحكومة برمته , فيصبح لا بد ان تترافق ممارسة السلطة هذه الحكومة بدوام مسؤوليتها امام السلطة التشريعية.
لذلك عند استقالة الحكومة , او اعتبارها مستقيلة تضمحل هذه المسؤولية وتنتفي وتنتهي حكما هذه الرقابة , حيث تصبح الحكومة خارج الرقابة السياسية للسلطة التشريعية بحيث تفقد بالتالي قدرتها على سحب ثقتها من الحكومة , اذ ان الحكومة هي مستقيلة او معتبرة كذلك . ندخل هنا عندئذ بالمرحلة الانتقالية والواقعة بين استقالة الحكومة وتأليف الحكومة الجديدة ومنحها الثقة , والتي تعرف بحكومة تصريف الاعمال او بمعنى آخر تصريف الامور الجارية .
حيث ان مبدأ تصريف الاعمال هو نتيجة لمبدأ دستوري , وهو استمرارية المرفق العام ,والذي يجب ان لا يتوقف عن العمل لارتباطه بتسيير المصالح العامة للمواطنين , واحوال المجتمع وهذا هو حق مكتسب , حيث نص الدستور اللبناني على انه في حالة استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة , تستمر في تصريف الاعمال , ريثما يتم تشكيل حكومة جديدة , لان الحكومة في مرحلة تصريف الاعمال لا تعود مسؤولة سياسيا امام مجلس النواب , حيث نص الدستور على ان الوزارات تكتفي فقط بالنشاط والذي يدخل في مفهوم تسيير الشؤون الضرورية ذات الصلة بالمصلحة العامة , وذلك من دون اتخاذ قرارات من شأنها تحميل الحكومة مسؤولية سياسية اي اتخاذ اية قرارات مبدئية تؤثر بالمالية العامة , وتستثنى من ذلك حكما الاعمال والتي تدخل في مفهوم الضرورة , او في حصول تطورات وظروف استثنائية , عند ذلك تستطيع الحكومة اتخاذ اجراءات وقرارات لمواجهة تلك الظروف حصرا ولمعالجة حالات الضرورة , ودائما تحت رقابة القضاء الاداري .
حيث تتحول المسؤولية الى المسؤولية القضائية عن الاعمال الادارية , وتصبح تحت مجهر الرقابة القضائية ,وذلك انعكاس صريح وواضح لتحقيق واكمال المبدأ الطبيعي للفكر والمنهاج الديمقراطي في النظام البرلماني والقائم على التوازن والفصل المرن بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية .
نصت المادة( 69) من الدستور اللبناني و المعدلة بالقانون الدستوري الصادر في 17/10/1927 والملغاة بالقانون الدستوري الصادر في 8/5/1929 والمنشأة بالقانون الدستوري الصادر في 21/9/1990 ) حالات اعتبار الحكومة مستقيلة , الفقرة الاولى :
-تعتبر الحكومة مستقیلة في الحالات التالیة:
أ- إذا استقال رئیسها.
ب- إذا فقدت اكثر من ثلث عدد أعضائها المحدد في مرسوم تشكیلها.
ج- بوفاة رئیسها.
د- عند بدء ولایة رئیس الجمهوریة.
ه- عند بدء ولایة مجلس النواب.
و- عند نزع الثقة منها من قبل المجلس النیابي بمبادرة منه أو بناء على طرحها الثقة.
وجاء في الفقرة الثالثة :
3 -عند استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقیلة یصبح مجلس النواب حكماً في دورة انعقاد استثنائیة حتى تألیف حكومة جدیدة ونیلها الثقة.
ونصت المادة (64) من الدستور اللبناني ايضا 64) المعدلة بالقانون الدستوري الصادر في 21/9/1990
رئیس مجلس الوزراء هو رئیس الحكومة یمثلها ویتكلم باسمها ویعتبر مسؤولاً عن تنفیذ السیاسة العامة التي یضعها مجلس الوزراء. وهو یمارس الصلاحیات التالیة في الفقرة الثانية :
2- یجري الاستشارات النیابیة لتشكیل الحكومة ویوقع مع رئیس الجمهوریة مرسوم تشكیلها. وعلى الحكومة أن تتقدم من مجلس النواب ببیانها الوزاري لنیل الثقة في مهلة ثلاثین یوماً من تاریخ صدور مرسوم تشكیلها. ولا تمارس الحكومة صلاحیاتها قبل نیلها الثقة ولا بعد استقالتها أو اعتبارها مستقیلة إلا بالمعنى الضیق لتصریف الأعمال .
حيث ان اختصاصات الحكومة في النظام البرلماني توجب ان تقرن توقيع رئيس الجمهورية بتوقيع رئيس الحكومة والوزير المختص , سواء على التصرفات والتي قد يحتمل ان يقوم بها رئيس الجمهورية او التي تحتاج لتوقيعه وهو ما يسمى بالتوقيع المجاور , وتلك هي قاعدة دستورية مترتبة على ان الملك يعمل بناء على مشورة وزرائه , بعد ان اضحى اسير نظام يرفع عن كاهله المسؤولة السياسية .
اذا كانت الحكومة قد استقالت او اعتبرت مستقيلة , فلا يجوز ولحين تكوين الحكومة الجديدة تكليف الوزارة المستقيلة باية اختصاصات , لحسبان انه لا يمكن ممارسة الرقابة البرلمانية عليها , لانها رقابة مجردة من سلطة العقاب حينها , اذا لا يمكن اسقاط الحكومات المستقيلة , ولا حكم بدون مسؤولية , والا كان في ذلك تجاهل للدستور ومبادئه والبرلمان وسلطته التشريعية .فما العمل والازمة الحكومية يجب ان لا توقف الحياة السياسية والادارية للدولة التي تتعدد صور ممارستها بشكل مستحيل ان نحصرها ؟ ولا يمكن ايضا تصور مقدار الضرر فيما لو توقفت عملية اتخاذ القرار؟
لذا وجب الجمع بين هذين الامرين المتعارضين عن طريق قاعدة استثناء من قاعدة عدم الاختصاص الكلي للحكومة المستقيلة في ان تختص الحكومة المستقيلة تصريف الامور الجارية وهي تلك الامور اليومية الروتينية والمألوفة للجهاز الاداري بالدولة , وحيث انها تتم بشكل تلقائي وعادي ومستمر , فلا تحت لمبادرة جديدة بشأنها من الوزارة , ولا تتضمن اي بعد سياسي يمكن معه ان تكون محلا لاثار سياسية في المستقبل ولا يمكن تصور عدم استمرار اتخاذها دون الحاق ضر جسيم في عمل المرافق العامة .
حيث انه لا يمكن تبرير الاساس القانوني لاختصاصات الوزارة المستقيلة بانها امتيازات يمنحها لها رئيس الجمهورية لانها خارجة عن صلاحياتها , وهو الطرف الاول منها , كما لا يمكن ان يكون الاساس القانوني لاختصاصات الحكومة المستقيلة بتصريف الاعمال هو العرف الدستوري وذلك لانتفاء ولعدم توافر الركنين المادي والمعنوي لتكوينه . اضافة الى انه لا يمكن ان يتخذ من المسؤولية السياسية للحكومة وحدها اساسا قانونيا لاختصاصها بتصريف الاعمال ما لم يكمل ويقترن ذلك الامر بمبدأ استمراراية المرفق العام لاداء وظائفه بانتظام واطراد , حيث انه مع التسليم بان على الحكومة ان تمتنع من ممارسة الاختصاصات التي يمكن ان تثير مسؤوليتها امام البرلمان في الظروف العادية .
حيث انه ويبقى السؤال عن ماهية تلك الاختصاصات ؟ التي تشير مسؤوليتها ولهذا السبب يأتي معيار واستمرار المرافق العامة باداء وظائفها الضرورية ليكمل الاجابة على هذا التساؤل ! .
هو يحدد ان اختصاصات الحكومة المستقيلة تنحصر في ممارسة المهام التي تكفل الحد الادنى لاستمرار مرافق الدولة في العمل ,والتي تقتصر على اتخاذ القرارات الادارية الصرفة او ذات الطبيعة العاجلة من ضمنها على سبيل المثال لا الحصر اصدار القرارات الاادارية ذات الطبيعة اللائحية التي تعالج موضوعات محددة او ثانوية دون تلك التي تتضمن تعديلا من نصوص تشريعية او المساس بحقوق يعترف بها القانون , او تعديل وضع المؤسسات والمرافق العامة .
ان السند القانوني المهم لصلاحيات الحكومة المستقبلية يكمن في مبدأ ديمومة الدولة واستمرارها وهذا المبدأ يعطيها السند للتصرف في كل الاحوال العادية والاستثنائية والضرورية , ولذلك الامر يستوجب الاستمرار بالعملية التشريعية اي ما يسمى بتشريع الضرورة بشكل اتفاقي في ظل حكومة تصريف الاعمال , ويستمر ايضا ترتيب المصالح العامة , والتعديل الاتفاقي لخدمتها , وتستمر ايضا علاقات التعاون الخارجي والالتزمات لجهة القرارات والاعراف الدولية والنشاطات فيما تفرضه من مؤتمرات او مفاوضات او اتفاقيات وحتى المشاركة او في استقبال وتنظيم القمم والمؤتمرات الدولية .
حيث ان لحكومة تصريف الاعمال رخصة التصرف في كل تصرف , في كل ما يندرج تحت مقتضيات ديمومة الدولة واستمراريتها , في استمرارية مؤسساتها والتسيير لمرافق العامة وادراتها ,ويتفرغ عنه من ثم لا يجوز ان تحجب بعض التصرفات بمقولة انها تصرفات سياسية تثير مبدأ مسؤولية الوزارة امام البرلمان في حالة الاستقالة .
اذا كانت الحكومة قد استقالت او اعتبرت مستقيلة , من ثم لا يجوز ولحين تكوين الحكومة الجديدة تكليف الوزارة المستقيلة باية اختصاصات , لحسبان انه لا يمكن ممارسة الرقابة البرلمانية عليها , لانها رقابة مجردة من سلطة العقاب حينها , اذا لا يمكن اسقاط الحكومات المستقيلة , ولا حكم بدون مسؤولية , والا كان في ذلك تجاهل للدستور ومبادئه والبرلمان وسلطته التشريعية .
وان كان صحيحا من ان رئيس الجمهورية يمارس صلاحياته عبر وزرائه , الا انهم ليسوا مطلق وزرائه , وانما هم وزراء مسؤولون سياسيا امام البرلمان , ولا شك هنا الوزارة بعد ان اصبحت مسؤولياتها السياسية معدومة تكون قد فقدت سندها الدستوري في اعمال مبدأ ديمومة الدولة واستمرارها بشكل مطلق , وانما يكون في حدود تصريف الامور الجارية استثناء مع المرونة بتعديل دائرة تصريف الاعمال وتوسيع صلاحياتها بحسب تصور الظروف وواقعية الامر الواقع ولكن برقابة السلطة القضائية والتي تصبح هي الممسكة بزمام الامور والحامي الاساسي للنظام السياسي والحياة الدستورية والمبادئ الديمقراطية
ونستند هنا بان الحكومة المستقيلة ايا كان سبب اعتبارها مستقيلة وضعها موضع ما يسمى بتصريف الاعمال لا يعدو ان يكون بالضرورة ازمة دستورية طارئة او عابرة ,وانما هي نتيجة لتجدد طبيعي في نظام الحكم والادارة , فلا يجوز الحكم عليه بمقاييس قواعد الحكم في النظم البرلمانية في الظروف العادية , حيث ان حكمة تصريف الاعمال حين تبقى في الحكم لزمن يطول او يقصر , انما يطول او يقصر , انما تبقى كذلك بموجب تكليف من رئيس الجمهورية والذي يمارس هنا صلاحياته التنفيذية بواسطة وزرائه .
هذه الاسناد القانونية صحيحة ولكنها لظروف استثنائية ولحالات الضرورة ولحال توفر القوة القاهرة والغير المحددة او المتوقعة , ولجسامة واهمية موضوع ونظرية حالة الضرورة لم يستطع المشرع من تحديدها بشكل دقيق , وان يأطرها بموضوع وعنوان انها حالة غير مبررة وغير اعتيادية , ومن هنا يمكننا في احيان كثيرة شهدنا على اعتبار التأخر او التلكأ في تشكيل الحكومة من باب حالات الضرورة والظروف الاستثنانية وهو ليس مستحبا , الا اذا طرأ امر خطير يهدد واقع الدولة وشكلها ومؤسساتها ومجتمعها للخطر , لا يمكن الاقرار بها الا من خلال الاجتهادات والاحكام الصادرة عن السلطة القضائية بهيئاتها الاستشارية وخاصة مجلس شورى الدولة , حيث انه يشكلون المرجع الصالح والجهة صاحبة الصلاحية لمثل هكذا تدابير واحكام .
حيث يمكننا الاعتبار ان التأخير في تشكيل الحكومات والاطالة للفترة الانتقالية المسماة بتصريف الاعمال , هو دلالة واضحة على عدم الاحترام للعقد الاجتماعي وللدستور والقوانين الاجرائية والتي تحكم هكذا حالات لدواعي شخصية ولمآرب سياسية بحتة و ممنهجة دون اي مرتكز قانوني , ولطبيعة الامور ان لكل دولة وضعها الخاص , حيث ان الثوابت القانونية هي التي تميز من تقدم منها وقطع الاشواط في بناء الدول , والهزالة للثوابت القانونية وعدم الاحتكام للقانون يفسر لماذا تأخر غيرها وتخلف فضائه عن فضاءات غيره في التطور والتقدم والابتكار .

رابعا : دور القضاء في تكريس مبدا تصريف الاعمال
من حيث المبدأ لقد ادرج المشترع التأسيسي نظرية تصريف الاعمال في الفقرة الثانية من المادة (64) من الدستور اللبناني والتي تكلمت صراحة : ” لا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها او اعتبارها بحكم المستقيلة الا بالمعني الضيق لتصريف الاعمال .”
لقد عمل الاجتهاد على تفسير نص هذه المادةعلى ان الدستور قد قام بحصر مبدأ تصريف الاعمال على انه تصريف للامور الجارية من حيث الطبيعة والحاجة اي بمعني دقيق اكثر , تلك التصرفات المتعلقة بالقرارات الادارية والروتينية والتي من البديهي في الامر لا يمكن تجميدها طيلة وجود الفترة الانتقالية ووجود حكومة غير مسؤولة امام البرلمان منعا لشل المرافق العامة ( مجلس شورى الدولة – قرار رقم 575-2006/2007 – بلدية اده البترون ).
ساهم مجلس الشورى اللبناني والذي كان على الدوام متأثرا بالفقه والقضاء الفرنسيين بإجلاء الالتباس الدائر حول صلاحيات حكومة تصريف الاعمال بقراره بتاريخ 14/4/1999 باعتبار الاعمال العادية هي عندما لا ترتبط بسياسة الدولة العليا ولا تُقيد حرية الحكومة القادمة.
لقد اعتبر مجلس شورى الدولة اللبناني ايضا ان ” الاساس الدستوري لمفهوم تصريف الاعمال هو زوال المسؤولية الوزارية السياسية وتضييق نطاق الاعمال الجارية والتي يجوز للحكومة القيام بها اثناء فترة الاستقالة ( القرار رقم 522 تاريخ 5-5-1999) .
وبما انه وبالمفهوم التقليدي الذي حدده الاجتهاد الاداري واستكمالا لفقرتنا السابقة يقودنا الامر ويقتضي التمييز بين نوعين من الاعمال الادارية :
1-الاعمال الادارية العادية : والتي تدخل في نطاق تصريف الاعمال وهي الاعمال الادارية اليومية والتي يعود للسلطة الادارية المختصة اتمامها ويتعلق اجراؤها في الغالب على موافقة تلك السلطة وتقوم الوحدات المختصة بتحضيرها , وهذه الاعمال لا يمارس عليها الوزراء عادة سوى اشراف محدود . وبما ان اعتماد نظرية تصريف الاعمال بالمعنى الضيق في المادة (64) من الدستور من شأنه ان يحد كثيرا من المفهوم المكرس اجتهادا للاعمال الادارية العادية المذكورة اعلاه وبالتالي فهو يقلص من الاعمال والقرارات التي كان من الممكن اعتبارها تدخل في نطاق تصريف الاعمال لو لم تحدها المادة (64) من الدستور بالنطاق الضيق .
حيث ان المحور الاساسي لتصريف الاعمال تلك القرارات والتي من شأن عدم اتخاذها ان ينتج عنه فراغ كامل او تعطيل لكل السلطة الاجرائية ووقف تام لادارة مصالح الدولة العامة وكذلك يدخل في نطاق تصريف الاعمال التصرفية التي تجد مبرراتها في حالة الضرورة والظروف الاستثنائية والناتجة عن احداث غير متوقعة , تأمين الوضع الامني والنظام العام وامن الدولة الداخلي والخارجي , وتلك التي يسقط مؤسسات الدولة من خلالها ان لم يتم اتخاذ التدابير لصيانتها في مهلة محددة .
2-اما النوع الثاني من الاعمال الادارية هي الاعمال الادارية التصرفية : والتي لا تدخل في نطاق تصريف الاعمال , وهي الاعمال التي ترمي الى احداث اعباء جديدة او التصرف باعتمادات هامة او ادخال تعديل جوهري على سير المصالح العامة وفي اوضاع البلاد السياسية الاقتصادية , وهذه الفئة من الاعمال تخرج بطبيعتها عن نطاق الاعمال العادية ولا يجوز لحكومة مستقيلة من حيث المبدأ ان تقوم بها باستثناء ما تعلق منها بتدابير الضرورة والتي تفرضها ظروف استثنائية تتعلق بالنظام العام وامن الدولة الداخلي والخارجي وكذلك الاعمال الادارية التي يجب اجراؤها في مهل محددة بالقوانين تحت طائلة الابطال
في اجتهاد آخر لمجلس شورى الدولة اللبناني بتاريخ 5-7-2010 , بحيث عرف الاعمال الجارية : بتلك الاعمال الملحة الضاغطة والتي لا تحتمل التأجيل او الارجاء لحين تأليف الوزارة الجديدة والتي بسبب سرعتها تستوجب اتخاذ قرارات فورية , او تلك التي تكون مقتصرة على تنفيذ الادارة اليومية من دون ان تنطوي على اية صعوبة خاصة او على اي خيار وزارته من سلفه .
وهناك اضافة قانونية من المغرب خاصة بحكومة تصريف الاعمال وصلاحياتها في القانون التنظيمي 065.15 – بتاريخ 19-5-2015 , والمتعلق بتنظيم تسيير اشغال الحكومة والوضع القانوني لاعضائها وهو بمثابة النظام الداخلي لمجلس الوزراء , ففي الباب الرابع بعنوان القواعد الخاصة بتصريف الحكومة المنتهية مهامها الامور الجارية ومهام الحكومة الجديدة قبل تنصيبها بالثقة من قبل مجلس النواب.
حيث تقول المادة 37 من القانون المغربي : “يراد بعبارة تصريف الاعمال الامور الجارية اتخاذ المراسيم والقرارات والمقررات الادارية الضرورية والتدابير المستعجلة اللازمة لضمان استمرارية عمل مصالح الدولة ومؤسساتها , ضمان انتظام سير المرافق العامة , ولا تندرج ضمن تصريف الامور الجارية التدابير التي من شأنها ان تلزم الحكومة المقبلة بصفة دائمة و مستمرة وخاصة المصادقة على مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية وكذا التعيين في المناصب العليا .
ان قاعدة المسؤولية السياسية للوزارة امام مجلس النواب تحتم عدم جواز مباشرة الحكومة لسلطاتها وصلاحياتها من دون ان تتمتع بثقة مجلس النواب , وحيث ان عليها المغادرة , لانه لم يعد هناك من رقابة عليها من مجلس النواب , حيث ان الرقابة مجردة من اي عقاب , اذ لا يمكن استجواب حكومة مستقيلة او مقالة او بحكم المستقيلة , اي تكون الحكومة حينها عمليا غير خاضعة لمراقبة مجلس النواب حيث يقول فالين :” لانه لم يعد يحق لها القيام باعمال ولا تحاسب اذا اخطأ الوزير وعليه فان الشخص الذي لا يترتب على عمله مسؤولية لا يجوز ان يعطي اي صلاحية ترتب مسؤولية الا في حالات الضرورة القصوى .” بحضور تام وشفاف ومتقن ومستقل للسلطة القضائية , باجتهاداتها ودراساتها واحكامها والتي تصدر باسم الشعب مصدر السلطات .
كان الدستور اللبنانيّ قبل تعديله سنة 1990 خالياً من مفهوم تصريف الأعمال، لا سيما أن السلطة الإجرائية كانت بيد رئيس الجمهورية، ما حدّ نظرياً من أهمية هذا المبدأ. لكن الدستور، حتى بعد تعديله، اكتفى فقط بالإشارة إلى أن الحكومة المستقيلة لا تمارس صلاحياتها إلا بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال. ولم يحدّد ما هو المعيار الواجب اتباعه بغية التفريق بين ما يدخل في تصريف الأعمال وما يخرج عنه، ما حتّم على القضاء الإداريّ أن يكون دائما في مرحلة الاستنباط , يستنبط من خلال إجتهاده هذا المعيار بحسب الظروف وواقعيتها وحسب حاجة الدولة ومؤسساتها .
جاءت الأزمة الحكوميّة التي عرفها لبنان سنة 1969 لأكثر من سبعة أشهر عقب استقالة الرئيس رشيد كرامي كي تتيح هذه الفرصة لمجلس شورى الدولة. فقد تقدم فؤاد اسكندر راشد، رئيس الديوان في المديرية العامة لوزارة البرق والبريد والهاتف آنذاك، بطعنٍ ضد قرار نقله إلى بيروت، مدعياً أن الوزير لم يكن يحق له اتخاذ مثل هكذا إجراء كونه ينتمي إلى حكومةٍ مستقيلة. وبالفعل، قسّم المجلس في قراره “راشد ضد الدولة” أعمال الحكومة إلى ثلاث فئات:
* الأعمال العاديّة الإداريّة (actes de gestion): “أيّ الأعمال اليومية التي يعود إلى الهيئات الإداريّة إتمامها، ويتعلّق إجراؤها في الغالب على موافقة هذه الهيئات كتعيين ونقل الموظفين وتصريف الأعمال الفردية التي لا يمارس عليها الوزير سوى إشراف محدود”.
* الأعمال التصرفيّة (actes de disposition) في الظروف العاديّة: وهي تلك التي ترمي إلى “إحداث أعباءٍ جديدةٍ أو التصرّف باعتماداتٍ هامّة أو ادخال تغييرٍ جوهريّ على سير المصالح العامة أو في أوضاع البلاد السياسية والإقتصاديّة والإجتماعيّة تحت طائلة المسؤوليّة الوزاريّة”. لذلك، لا تدخل الأعمال التصرفيّة في نطاق تصريف الأعمال، ولا يجوز للحكومة المستقيلة أن تقوم بها.
* الأعمال التصرفيّة في الظروف الإستثنائيّة: الأوضاع الإستثنائية التي تتعلّق بالنظام العام وأمن الدولة الداخليّ والخارجيّ تسمح للحكومة المستقيلة باتخاذ تدابير ضرورية تخرج عن تصريف الأعمال. “وفي هذه الحالات، تخضع تدابير الوزارة المستقيلة وتقدير ظروف اتخاذها إياها إلى رقابة القضاء الإداريّ بسبب فقدان الرقابة البرلمانيّة وانتفاء المسؤولية الوزارية”
وقبل ذلك كان قد أقر مجلس شورى الدولة في لبنان هذا المبدأ إذ أعلن في قراره الشهير رقم 334/614 (راشد/الدولة تاريخ 17/12/1967) التالي: ” وحيث ان مسؤولية الحكومة تنتهي في الحالات المبينة آنفا ومنها الاستقالة وحيث ان زوال المسؤولية هو الذي يحدد نطاق “الاعمال العادية” التي يوكل الى الوزارة المستقيلة تصريفها اذ ان السماح بتجاوز نطاق هذه الاعمال يؤدي الى قيام حكومة غير مسؤولة بأعمال تخضع للمسؤولية مع ما يترتب على هذا التجاوز من مخالفة احكام الدستور وقواعد نظام الحكم التي يعتمدها…”.
على مستوى أخر، يشكل تصريف الأعمال ضرورةً، إذ لا يجب أن يؤدي تقليص صلاحيات الحكومة وحصرها في نطاقٍ ضيّق إلى الاضرار بمصلحة الدولة عبر تعطيل عمل المؤسسات وتهديد إستمرارية المرفق العام. لذلك، تعتبر ممارسة الحكومة لصلاحياتٍ ما، رغم الحدّ منها بعد استقالتها، شرطاً ضرورياً. إذ لا يعقل القبول بالفراغ المطلق في السلطة إلى حين تشكيل حكومة جديدة. وقد أشار مجلس شورى الدولة الفرنسي إلى هذا الأمر في القرار الأول له الذي يتطرق إلى مسألة تصريف الأعمال بشكلٍ صريح:
‘ Considérant qu’en raison de son objet même, et à défaut d’urgence, cet acte réglementaire (…) ne peut être regardé comme une affaire courante, si extensive que puisse être cette notion dans l’intérêt de la continuité nécessaire des services publics’ (CE, Ass. 4 avril 1952 Syndicat régional des quotidiens d’Algérie).
وقد ذهب مجلس شورى الدولة اللبنانيّ المذهب نفسه فأعلن أيضاً: “وحيث أن تطبيق مفاعيل الإستقالة أو الإقالة على إطلاقه يؤدي إلى قيام فراغ في الحكم في الفترة التي تسبق تشكيل وزارة جديدة مع ما يترتب على هذا الفراغ من تعطيل اعمال السلطة التنفيذية ووقف ادارة مصالح الدولة المنوطة بالوزراء (…) وحيث أنه تجنّباً للأخطار والمحاذير التي تنشأ عن الفراغ في الحكم، جرى العرف الدستوريّ على أن يكلّف رئيس الجمهورية الوزارة المستقيلة بالبقاء في الحكم إلى أن تتألف الوزارة الجديدة، ويحدّد نطاق أعمالها بما يسمى “تصريف الأعمال العادية”. وقد أصبح هذا العرف مبدأ أصيلاً من مبادئ القانون العام واجب التطبيق في حالات فقدان الوزارة كيانها الحكوميّ المشروع، ومن بينها حالة الإستقالة…” (راشد/الدولة ) .ومن المسوّغات السياسيّة التي تشرح مفهوم تصريف الأعمال منع الحكومة المستقيلة من إتخاذ تدابير تلزم الحكومة الجديدة المزمع تشكيلها وتحدّ من حريتها بممارسة كامل صلاحياتها الدستورية عند نيلها الثقة. إذ يمكن للحكومة المستقيلة “القيام بالأعمال التي لا ترتبط بسياسة الدولة العليا والتي ليس من شأنها تقييد حرية الحكومة اللاحقة في انتهاج السياسة التي تراها أفضل…” (مجلس شورى الدولة، قرار رقم 700 تاريخ 15/5/1995، منصور حنا هنود/الدولة) .
فقد ساهم قرار مجلس شورى الدولة الفرنسي بتاريخ 4/4/1952 في تحديد المبدأ الذي تسير عليه حكومة تصريف الاعمال من خلال النص التالي : ” لا مفر من وجود سلطة مناطة بها تأمين استمرارية الحياة الوطنية وديمومتها بين تاريخ استقالة الحكومة وتاريخ تأليف الحكومة الجديدة ، فتمسي الولاية الاستثنائية للحكومة المستقيلة او المعتبرة كذلك ، مسندة فقط الى مرتكز تأمين مقتضيات الدولة الضرورية “.
نجد هنا ايضا ان مجلس الدولة الفرنسي كان قد حصر صلاحيات الاعمال بحدود الاعمال العادية والتي عرفها :” تلك الاعمال التي لا تعرض مسؤولية الوزارة مجتمعة او الوزير المعني الى نتائج سياسية , حيث ان الحكومة تحكم بثقة الشعب الممثل بالبرلمان , والحكومة المستقيلة تكون فاقدة لثقة البرلمان مما يجعلها غير قادرة وغير ذات صلاحية دستورية لتتخذ قرارات سياسية ” . (قرار مجلس الدولة الفرنسي 22-4-1966) .
Conseil d’etat framcais -22 avril 1966 – federation nationale – des syndicats de police – Actualite juridique – 1966 – p.355 – conclusion : Galmot
لكن عاد مجلس الدولة الفرنسي واجاز ان يتم التوسع بمنح اختصاصات اضافية لحكومة تصريف الاعمال في الظروف الاستثنائية والعاجلة التي تمس بالامن الوطني , ( هذا ما استقر عليه الفقه الدستوري والاجتهاد الفرنسي ) .
Marcel Le chaiz – l’expedition des affairs courantes en periode de crise ministrielle Dalloz – CH. HEBDOMADAIRE – et suiv-1952 –P.65.

تبرز لنا هنا اشكالية جديدة وهي انه : هل من الممكن اعتبار ان التأخر في تشكيل الحكومة هو من قبيل الظروف الاستثنائية وحالات الضرورة مع ما يستدعيه ذلك من اتخاذ تدابير واجراءات استثنائية تحت مظلة المصلحة العامة واستمرارية العمل في المؤسات والادارات وانه لا فراغ في السلطة ؟ اي هل ان المرحلة الانتقالية والمتمثلة باطالة مدة تصريف الاعمال مع الاطالة في الوقت لتأليف الحكومة الجديدة مع كل انبعاثاتها وافرازاتها هي ظرف اسثنائي ؟

خامسا : أساس نظرية الظروف الاستثنائية
حيث ان نظرية الضرورة تعد استثناءا او قيدا يرد على مبدأ سمو الدستور والنتائج المترتبة عليه , وتستمد هذه النظرية مدلولها من القاعدة الرومانية الشهيرة والتي تقول :”ان سلام الشعب فوق سلام القانون “.
ففي حالة الضرورة وان حق للسلطة التنفيذية في اتخاذ بعض القرارات الاستثنائية والتي تكون مشوبة بعيب الاختصاص الذي يتجسد في اغتصاب السلطة لكونها تدخل في المجال التشريعي , او مشوبة بعيب مخالفة القانون حيث تعد مثل هذه القرارات غير المشروعة في معيار القواعد العامة والتي تحكم الظروف العادية في الوقت الذي تعد مشروعة بل وواجبة في ظل الظروف الاستثنائية متى كان ذلك لازما لحماية البلاد من خطر واهم .
حيث يتبين لنا مما سبق ان السلطة التنفيذية وعند قيامها بالاجراءات واتخاذها القرارات اللازمة لمواجهة الظروف الاستثنائية , يكون قد تجاوزت الاختصاص الممنوح لها واغتصابها للسلطة , ومع ان ما تمارسه السلطة التنفيذية في ظل هذه الظروف ,كان من اختصاص السلطة التشريعية , فان بعض الدساتير عادة ما تخول السلطة التنفيذية ,سلطة اتخاذ تلك الاجراءات لمواجهة مثل هذه الظروف الاستثنائية .
قد تتعرض حياة الدولة للاخطار والازمات التي تهدد وجودها وكيانها وان السلطة التنفيذية في ضوء هذه الظروف بحاجة الى صلاحيات جديدة للقيام بواجبها في الحفاظ على كيان الدولة ووجودها , وان تعارض هذه المصالح مصلحة احترام القانون ومصلحة الحفاظ على الدولة وللموازنة بين هذه المصالح ابتكر الفكر والفقه مثل هذه النظرية .
ان شرط المصلحة العامة هو شرط جوهري في كل الاعمال التي تصدر عن الادارة سواء اكانت الظروف العادية او الاستثنائية وان اي عمل تتخذه الادارة يجب ان يقصد به تحقيق المصلحة العامة , والا تكون الغاية منه الوصول الى اغراض شخصية , وان الادارة يجب ان تهدف الى دفع هذه الظروف ومواجهتها للمحافظة على كيان الجماعة وهو الهدف الاساسي ,فاذا ما اخلت الادارة واستعملت سلطتها الواسعة في اي هدف آخر من اهداف المصلحة العامة , كان تصرفها مشوبا بانحراف السلطة ويعد باطلا لتجاوز حد السلطة .
حيث ترجع الاصول المؤسسة لنظرية الظروف الاستثنائية في القانون العام الى الفقه الالماني والذي اتخذ من البداية الاطار والوضع القانوني لهذه النظرية ,والتي تجد اساسها في كتابات بعض الفقهاء الالمان , مثل هيجل , وهرنك وجلينك , حيث ان هيجل برر خروج الدولة على القانون في هذه الحالات , باعتبار ان الدولة هي التي اوجدت القانون في هذه الحالات , وهي تخضع له لتحقيق مصالحها ولتسيير مرافقها وتنظيم مجتمعها , وعلى ذلك فلا خضوع عليها , اذا كان في تحقيق صالحها هو في عدم الخضوع الى القانون والذي يعد الوسيلة لتحقيق الغاية وهي حماية الجماعة , فاذا لم تؤدي هذه القواعد الى هذه الغاية , فلا يجب الخضوع الى القانون , وعلى الدولة ان تضحي به في سبيل الجماعة .
فهل هذا ينطبق على حالة التأخر في تشكيل الحكومات ؟ وما يتفرع عنه من دخول البلاد في منعطف مبهم ومصيري عند كل استحقاق ؟ وهل يصح في ان يتم توسيع حدود صلاحيات حكومة تصريف الاعمال انطلاقا من حالة الضرورة ؟
ان الحلقة الاضعف في التأخر من تشكيل الحكومة في لبنان هي حكما البنية المالية والنقدية لما للبنان من التزامات مهمة في هذا المجال , اضافة الادارات والمؤسسات والتي تحاكي مصلحة المواطن وتقديم الخدمات له , حيث ان البنية المالية تحوي المالية العامة وما يواكبها من عجز ودين عام , والبنية النقدية تحوي الشق المتعلق بالعملة من سعر الصرف والفائدة وهذا امر طبيعي , لان غياب الحكومة او وجودها بمرحلة تصريف الاعمال وبصلاحيات محدودة يشكل فراغا (اداريا – قضائيا – امنيا – وماليا ), ونظرا لوجود وضع حساس فان كل من هذه البيئات الاساسية والمؤسسة لبيئة الدولة واداراتها , لا تتحمل فترة من الفراغ والضمور في الصلاحيات لما هو مستجد ويشكل حاجة يومية ودورية للمؤسسات والدولة والمجتمع والمواطن.
حيث ان المجتمع لا يتوقف ولا تضمر حركته عند ضمور صلاحيات حكومته فمبدأ استمرارية المؤسسات والمرافق العامة هومطلب وجودي انساني قبل ان يكون قانوني اداري وسياسي , لذلك ومن البديهي من الامر ان نرى ونشعر من ان كل تأخر في تشكيل الحكومة له تداعيات سلبية على المجالات السياسية والقضائية والادارية والمؤسساتية والمالية وهي الاهم لانها تلامس الحاجة المحورية للمواطن .
ان التداعيات السلبية على المالية العامة بشكل اولي ومعها تردي البيئتين الاقتصادية والنقدية بحكم الاجراءات والآليات المعتمدة , وخصوصا الالية الاقتصادية حيث ان الاسواق تصنف الحكومة وعملها كمؤشر اساسي للتمويل على الامد البعيد وهو ما يتطلبه الاستثمار , وكل العمليات والتي تدخل ضمن بناء الدولة وتطورها يعتمد بشكل اساسي على الاستقرار, وخصوصا الاستقرار في السلطة في كل حالاتها من ضمنها عمليات الانتقال والانتاج الذاتي في الحكم بديمقراطية وبطريقة طبييعية احتكاما للقانون والدستور, لذلك نرى انه في حال الفراغ في احدى السلطات وعند عملية الانتقال من مرحلة الى اخرى كتشكيل الحكومات تنخفض التصنيفات المالية لاي دولة , وهذا رد طبيعي ومنطقي تناسبا مع الصلاحيات محدودة لفترة تصريف الاعمال.
لقد برر الفقيه الالماني “جلينك” النظرية التي تحل بها الحكومة مكان السلطة التشريعية , تحت ضغط الحوادث لمواجهة الضرورة وبكل الوسائل المتاحة , فمن خلال هذه الاراء ذهب الفقه الالماني الى اعتبار نظرية الظروف الاستثنائية نظرية قانونية , بحيث انها تعد حقا مكتسبا للدولة , وبناء على ذلك تكون الاعمال والاجراءات التي تتخذها الدولة في احوال الضرورة هي اجراءات مشروعة ولا ترتب مسؤولية على الادارة ولا يجوز للغير مطالبة الادارة بالتعويض عن ما لحق بهم او سيلحق بهم من ضرر جراء ذلك .
اما الفقه الفرنسي فقد انقسم بهذا الصدد الى مرحلتين تاريخيتين ففي المرحلة الاولى وهي بالطبع الاقدم نسبيا اعتمد الفقه فيها النظرة السياسية , باعتبارها جزءا من الديمقراطية لكنه سرعان ما انتقل الى الحالة الثانية والتي اتخذ فيها الاساس القانوني لنظرية الضرورة بمساعدة مجلس الدولة الفرنسي حيث يستند اصحاب نظرية الضرورة باعتبارها سياسية على مبدأ سياسة القانون , وعلى هذا الاساس تكون جميع الاجراءات التي تصدر عن الادارة لمواجهة اي ظرف استثنائي مخالفة فيها القواعد القانونية بدعوى الضرورة , هي اجراءات باطلة وتظل غير مشروعة قانونا وتترتب المسؤولية هنا للحكومة ما لم يصححها البرلمان .
يطلق البعض ايضا على النظرية الالمانية التي تؤخذ من الطبيعية القانونية لنظرية الظروف الاستثنائية بانها لم تكن في حقيقتها نظرية قانونية , بقدر ما كانت تشكل نظرية دكتاتورية ولذلك لم تكن مقبولة لدى الفقه الفرنسي , ودفع بعضهم حينذاك الى رفض الاخذ بالنظرية السياسية وفضلوا عليها النظرية القانونية , ولكن على وجه مغاير للفقه الالماني .
من الفقهاء الفرنسيين الذين اخذوا بالتصوير القانوني لنظرية الضرورة العميد (دوجي ), والذي اباح للسلطة التنفيذية اصدار المراسيم التشريعية , باعتبار ان الضرورة تمثل استثناء على الجانب الشكلي لمبدأ المشروعية , ولكن هذا الاستثناء يبقى دائما محاطا بالشروط والقيود .
يرجع ظهور نظرية الظروف الاستثنائية الى مجلس الدولة الفرنسي عندما قام بوضع الضوابط الخاصة لها اي بتحديد شروطها واضفاء مشروعية من نوع خاص على اعمال الادارة الصادرة في ظلها ,عندما قام المجلس بمنح السلطة التنفيذية والادارات صلاحيات وسلطات استثنائية في الظروف الاستثنائية , في ظل غياب النصوص الدستورية المتضمنة لهذه النظرية ,والعمل على تكملة هذه النصوص مما يشوبها من قصور وذلك باعطاء الادارة سلطات كافية لمواجهة تلك الظروف الاستثنائية حيث ان القضاء يعمل على تفسير النصوص الدستورية من خلال تحديد مفهومها والشروط اللازمة لتحقيقها فبناءا على ما تقدم فان المصدر الرئيسي لهذه النظرية هو القضاء وتحديدا مجلس الدولة الفرنسي .
لقد قيدت معظم الدساتير في العالم نظرية الظروف الاستثنائية بشروط محددة , حتى لا تصبح النصوص المنظمة لها وسيلة بيد السلطة التنفيذية لتحقيق مصالح ومآرب شخصية , والالتفاف الدائم على هذه النظرية واستعمالها بطريقة سلبية بعكس ما هو متوخى منها ,كذلك الامر يعد تحديد مثل تلك الشروط وسيلة لتمييز هذه النظرية عن غيرها من باقي النظريات والتي تحكم عمل الادارة , كنظرية اعمال السيادة , ونظرية السلطة التنفيذية للادارة , حيث ان مثل كل هذه الشروط او القيود تجد اساسها في الفقه الفرنسي ,والذي ذهب الى تقييد هذه النظرية وذلك بوضع الضوابط والشروط على المنوال التالي :
1 – قيام الظرف الاستثنائي
حيث يتمثل هذا الظرف بوجود تهديد بخطر موجه ضد الدولة وهو اهم الشروط اللازمة لقيام هذه النظرية , حيث ان هذا الخطر قد يكون داخليا كالكوارث الطبيعية والاقتصادية ,العصيان المسلح , وقد يكون خارجيا كالحروب , هنا يستقر الفقه على وجوب توافر وصفين في شرط هذا الخطر , ان يكون جسيما وان يكون من الغير الممكن دفعه بالوسائل القانونية العادية , فاذا امكن دفعه بهذه الوسائل القانونية العادية فلا يعد بالتالي خطرا جسيما , اما بالنسبة لصفة الحلول فان الخطر الحال يعني ان تبلغ الاحداث او الظروف حدا تؤدي معه حلا ومباشرة الى المساس بالمصلحة موضوع الحماية , مما يعني حكما وجود تهديد بخطر جسيم ضد الدولة .
2- استحالة مواجهة الظرف الاستثنائي بالطرق القانونية العادية
حيث ان الشرط يعني بانه اذا ما حدث ظرف استثنائي وكانت هناك قواعد قانونية او دستورية قادرة على مواجهة هذا الظرف فانه ينبغي اللجوء الى هذه القاعدة اما اذا لم تكن هناك نصوص قانونية قادرة على مواجهة هذا الظرف , ففي هذه الحالة يجب اللجوء الى نظام قانوني استثنائي لتفادي هذا الظرف , على ان يتم ذلك حكما تحت رقابة القضاء الاداري وهو ما ذهب اليه مجلس الدولة الفرنسي في العام 1958 , بحيث اكد على انه اذا كان الموقف الاجتماعي او الاقتصادي الناتج عن الحرب التي كانت دائرة حينذاك في الهند الصينية , بان السلطات والوسائل التي كان يملكها الحاكم بموجب القوانين القائمة تكفي لمواجهة متطلبات هذا الموقف دون حاجة الى ان يتجاوز نطاق اختصاصه المقررة في هذه القوانين وعلى هذا الاساس فان التصرف او الاجراء الصادر لمواجهة هذا الظرف الاستثنائي يجب ان يكون مما تقتضيه الضرورة القصوى ,وفي حدودها ان الضرورة تقدر بقدرها دائما , فاذا ما تجاوزت الادارة لهذا القدر فانها تعرض نفسها للمساءلة وتكون قراراتها عرضة للطعن بالابطال او التعويض .
3- ان يكون الهدف من النظام القانوني الاستثنائي تحقيق المصلحة العامة
حيث ان شرط المصلحة العامة هو شرط جوهري في كل الاحوال والاعمال التي تصدرعن الادارة سواء اكانت في الظروف العادية او الاستثنائية , حيث ان اي عمل تتخذه الادارة وتنفذه , يجب ان يكون المتوخي منه تحقيق المصلحة العامة , ويجب ان لا تكون الغاية منه الوصول الى تحقيق اغراض شخصية , وان الادارة يجب ان تهدف الى دفع هذه الظروف ومواجهتها للمحافظة على كيان الجماعة , وهذا هو الهدف الاساسي والخاص ومبدأ المصلحة العامة , حيث ان اي اخلال من الادارة واستعمالها لسلطتها الواسعة في اي هدف آخر من اهداف المصلحة العامة كان تصرفها مشوبا بانحراف السلطة .
تضع الدساتير عادة الاسس التي ترتكز عليها السلطات لضمان استمراريتها في ادائها لوظائفها منعا لحدوث الفراغ مع ما يرمز اليه الفراغ من شلل في المؤسسات وتعطيل لمصالح الناس , من هذا المنطلق يكنى القانون بانه الاداة والالية المتوخاة لتنظيم المؤسسات والمرافق العامة وامور المجتمع في حالة الحركة والطبيعة , اما الجمود والشغور فهو قطعا لا يكون في بال المشرع , حيث ان المشرع لا يشرع للفراغ , بل لا يخطر في باله ان القيمين على السلطة واصحاب الوكالات المقدسة ومن الشعب المصدر الحقيقي للسلطات , والمؤتمنين على المهمة حيث انهم الممثلين عن الشعب والمجتمع يسعون للفراغ والتعطيل والتأخير , او اطالة امد تشكيل الحكومات , او لخراب المؤسسات او تفريغها من مضمونها .
حيث ان المشترع يحدد آلية انتقال السلطة ويضع الحلول للحالات الطارئة الفجائية , او لحالات التأخر في تأمين البديل للمسؤول او الموظف الذي شغر مركزه لاي من الحالات مثل ( انتهاء الولاية – الاستقالة – الوفاة – الاقالة – او اي سبب آخر ) .
انه وفي الظروف الاستثنائية يتم توسيع المشروعية وتعديل حدودها , وهو امر في الاساس يجريه القاضي بحكم قوامته على تفسير القانون بما يلائم الظروف في تطبيقها , حيث ان الامر يتعلق بتفسير قواعد القانون تفسيرا واسعا يسمح للادارة بصلاحيات وسلطات العمل المرن والسريع التي تقتضيه مهمتها لصيانة الامن وحسن سير تنظيم وترتيب المرافق العامة .
في حين كان للبعض الاخر تفسير مختلف عن هذا الاتجاه (توسيع نطاق المشروعية ) , بطريقة اخرى , اذ ان الاحكام الدستورية يجب ان تخضع امام الضرورة العليا لسلامة البلاد , وهذه النظرية تمثل استثناءا واردا على مبدأ علو الدستور وسموه , حيث يوقف العمل بهذا المبدأ لصالح الحكم والحكام , وتعفى السلطة التنفيذية بالتالي من احترام الدستور والقوانين , اذا ما اقتضت ذلك الضرورات العليا لسلامة الدولة , يث يتضح من خلال هذه الآراء من ان نظرية الضرورة او الظروف الاستثنائية تعد توسيعا في نطاق مبدأ المشرعية على نحو يشمل الاجراءات الاستثنائية والتي تتخدها الادارة لتكسبها شرعية استثنائية وتعتبر هذه النظرية استثناءا من مبدأ المشروعية او قيد يردعليه فالاحكام الاستثنائية للظروف الاستثنائية تتعارض والاحكام العامة من مبدأ المشروعية او قيدأ يرد عليه , لذلك يبدو لنا اجمالا بان مبدأ المشروعية يتسع ليشمل طائفيتين من الاحكام والقواعد المتعارضة في الهدف والطبيعة , وهو في الحقيقة اعتقاد غير دقيق لان توسيع دائرة المشروعية العادية يفترض بالتالي تناغما بالحلول وانسجاما بالاحكام , او عدم تعارض بالحد الادنى لان طبيعة النظام القانوني الاستثنائي والذي تستخدمه الضرورة يختلف عن النظام المعد لحكم المشروعية في الظروف العادية اختلافا جذريا .
لا يمكن اعتبار النظام الاستثنائي للضرورة خارجا عن المشروعية لتقيده بالقواعد الدستورية وهي اهم واعلى مصادر المشروعية , ولا يجوز بالتالي مخالفتها له , شانها في ذلك شأن القواعد العادية ,حيث ان الاحكام الاستثنائية تشكل نظاما قانونيا يستقل في بنائه عن المشروعية العادية ولكن في الوقت ذاته يشاركه في قاعدة اساسية هي قاعدة دستورية حيث يمثل الدستور بقواعد المصدر الشكلي للقواعد العادية والاستثنائية على حد السواء .
حيث ان اجراءات الضرورة تبقى مقيدة دائما بالقيود الدستورية والضمانات المقررة في قواعد الدستور , ولا تملك السلطة القائمة على حالة الضرورة او الظروف الاستثنائية حيث تخلق نظرية الظروف الاستثنائية احكاما استثنائية يكون لها الاولوية في التطبيق الى جوار قواعد المشروعية العادية وهو ما يعني ان اثر هذه النظرية لا يقتصر على تفسير النصوص القانونية تفسيرا موسعا , لاحكام الضرورة وان كانت استثناء من قواعد المشروعية العادية , حيث انها لا تعتبر استثناء من الدستور ,وانما استثناء من النصوص التشريعية , وان نظرية الضرورة لا تعتبر بالتالي خروجا على مبدأ المشروعية لان مصدرها الاساسي والقانوني هو الدستور المقنن لها والمقيد لها بالقواعد الدستورية .
يبقى هنا اثر اجراءات الضرورة محدودة بالمجالين التشريعي واللوائح دون ان يمتد الى المساس بالقواعد الدستورية , غير ان هناك اتجاها فقهيا يخالف هذا الاتجاه , بحيث يرى ان هذه القواعد الدستورية ليست بامان من المساس بها بالايقاف او التعديل وعلى هذا الاساس فان هناك من يقرر بان نظرية الضرورة تجيز للسلطة التنفيذية ان تعمد الى تعطيل الحياة النيابية او تعديل الدستور , من غير اتباع الاساليب والاجراءات الدستورية العادية , حيث يؤكد اصحاب هذا الاتجاه بان الاحكام الدستورية والتشريعية يجب ان تخضع امام الضرورات العليا لسلامة الدولة فيباح لها في الظروف الاستثنائية لبعض السلطات ان تخرج عن المبادئ العامة وهي نظرية الضرورة , وتأكيدا لذلك فقد ذهب البعض من الفقهاء بالقول الى ان الدساتير قد اعطت الحكومة الحق بايقاف الدستور او تعطيله او مخالفة نصوصه في بعض الاحوال الاستثنائية لصيانة الامن ومصالح الدولة الكبرى .
سادسا : ضمانات نفاذ مبدأ المشروعية :
بالرغم من تعدد الضمانات التي تكفل احترام مبدأ المشروعية , فان الضمان الامثل يكون بتنظيم رقابة قضائية على نشاط السلطات العامة سواء كان هذا النشاط تشريعيا ام اداريا , فهذه الرقابة القضائية تعد مبدأ متمم ومكمل لمبدأ المشروعية لانها تحقق ضمانة اكيدة للافراد لمواجهة السلطة العامة وتمكنهم من الالتجاء الى جهة مستقلة محايدة من اجل توقيع الجزاء الناتج عن اتخاذ الاجراءات الادارية , تصرفا بالمخالفة لما تقضي به القواعد القانونية , ويتمثل هذا الجزاء في الحكم ببطلان التصرف المخالف لما تقضي به القواعد القانونية , ويتمثل هذا الجزاء في الحكم ببطلان التصرف المخالف للقانون او التعويض عن الاضرار التي احدثها .
وهنا تظهر فاعلية الرقابة القضائية باعتبارها من اهم الضمانات نفاذ مبدأ المشروعية ذلك ان القضاء يمثل احدى السلطات العامة يخضع في مباشرة وظيفته للقانون حكمه في ذلك حكم سائر السلطات العامة الاخرى , ويتم التحقق من ذلك عن طريق ما تتضمنه القوانين من طرق الطعن في الاحكام واجراءات رد القضاة ومخاصمتهم غير ان فاعلية هذا الضمان يتوقف بشكل جوهري على مدى استقلال السلطة القضائية وتمتعها بالضمانات الكافية لصيانة هذا الاستقلال , فمتى فقد القضاة استقلالهم , وكانت السلطة التنفيذية هي المهيمنة على اختيارهم وترقيتهم وممارساتهم لاختصاصات وظائفهم ,فان الرقابة القضائية في هذه الحالة تفقد فاعليتها ويصبح مبدأ المشروعية غير قائم من االناحية العملية ,ويوجد لدينا الى جانب هذا الضمان عدة ضمانات اخرى تكفل احترام مبدأ المشروعية ومنها مبدأ الفصل بين السلطات والرقابة البرلمانية على تصرفات الحكومة وفكرة جمود وصلابة الدستور .
شروط تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية في الدستور الفرنسي :
حيث تنص المادة “16” من الدستور الفرنسي لسنة 1958 بما معناه على انه اذا اصبحت مؤسسات الجمهورية او استقلال الامة او سلامة اراضيها او تنفيذ تعهداتها الدولية مهددة بخطر جسيم حال ترتب عليه توقف السير المنتظم لسلطات المادة الدستورية , يحق لرئيس الجمهورية ان يتخذ من الاجراءات ما تتطلبه هذه الظروف بعد استشارة كل من رئيس الوزراء ورئيس الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ والمجلس الدستوري , ويجب ان يكون الغرض من الاجراءات التي يتخذها رئيس الجمهورية ان يؤمن للسلطات الدستورية في اقل مدة ممكنة الوسائل الفعالة لانجاز مهام وظائفها على ان يأخذ راي المجلس الدستوري حيال هذه الاجراءات وفي هذه الظروف يجتمع البرلمان بقوة القانون ,ولا يحق لرئيس الجمهوية ان يحل حينها وخلال ممارساته لهذه الصلاحيات الاستثنائية الجمعية الوطنية .
اما نص المادة ( 16 ) من دستور 1958 فهو كالاتي : ( اذا تعرضت انظمة الجمهورية او استقلال الوطن او سلامة اراضيه او تنفيذ تعهداته الدولية لخطر جسيم وحال ونشأ عنه عرقلة السلطات الدستورية العامة عن مباشرة مهامها كالمعتاد يتخذ رئيس الجمهورية الاجراءات التي تقتضيها هذه الظروف بعد التشاور بصفة رسمية مع الوزير الاول ورؤساء الجمعية الوطنية والمجلس الدستوري ويحيط الأمة علماً بذلك برسالته ويجب ان يكون الغرض من هذه الاجراءات هو تمكين السلطات الدستورية من القيام بمهامها في اقرب وقت ممكن ويستشار المجلس الدستوري بشأن هذه الإجراءات ويجتمع البرلمان بقوة القانون ولا يجوز حل الجمعية اثناء ممارسة السلطات الاستثنائية ) .
ومن هنا فان هذه المادة تتضمن نوعين من الشروط ولا بد من توافرهما ليتسنى تطبيقها , حيث الاولى موضوعية والثانية شكلية .
1- الشروط الموضوعية
أ-ان يكون هناك خطر جسيم وحال :
هي تتطلب المادة (16) , في ان تتعرض مؤسسات الجمهورية او استقلال الامة او سلامة اراضيها , او حتى تنفيذ تعهداتها الدولية لخطر جسيم وحال , اي في وقته وحينه لكي يستطيع رئيس الجمهوية استخدام هذه المادة , وهذا الخطر قد يكون داخليا او حتى خارجيا , غير ان شرط الخطر الجسيم الحال يتسم بالعمومية وقد اختلف الفقه في تحديد جسامة الخطر , حيث يذهب البعض منهم بالقول بان الخطر الجسيم هو الذي من شأنه ان يحدث ضررا لا يمكن اصلاحه , او بمعنى ادق انه لا يصلح الا بتضحيات كبيرة , وهناك رأي آخر يقول بان الخطر الجسيم هو الخطر الغير المألوف , والغير المتوقع , اي الخطر الذي يخرج عن اطار المخاطر المتوقعة كما انه خطر كبير من حيث المدى .
كما انه يصعب تحديد الوقت الذي تصبح فيه مؤسسات الدولة والجمهورية , او حتى استقلال الامة او سلامة اراضيها , او تنفيذ تعهداتها حتى الدولية مهددة بمثل هذا الخطر , اي يجب ان يكون الخطر حالا , وعلى هذا فان الخطر المستقبل خطر محتمل الوقوع وليس من قبل الخطر الحال , وكذلك لا يكفي ان يكون الخطر قد وقع فعلا , لان الخطر الذي وقع وانتهت اثاره ليس من قبيل الخطر الحال .
ب-ان يرتب على الخطر توقف السير المنتظم للسلطات العامة الدستورية
يذهب غالبية الفقه الفرنسي الى الاكتفاء بتوقف السير المنظم لهذه السلطات بمعنى انه ليس من الضروري ان يكون البرلمان والحكومة والسلطة القضائية في حالة لا يمكنها من اداء وظائفها ,بل يكفي ان يتعذر عليها مباشرة هذه المهام والوظائف بصورة عادية طبيعية , وهو امر متروك لرئيس الجمهورية .
حيث ان هذه السلطة لم تمنح لرئيس الجمهورية الا ليحول دون انهيار الدولة بسبب الخطر العاجل هذا من ناحية , ومن ناحية اخرى فان المادة (16) تنص على ان يجتمع البرلمان بقوة القانون حين يلجأ رئيس الجمهورية الى تطبيقها ,مما يفيد بان هذه السلطة الدستورية العامة لم تتوقف تماما عن مباشرة وظائفها , وانه بمقدورها ان تمارس عملها فليس من المعقول ان يطلب رئيس الجمهورية الانتظار الى ان تصاب السلطات والمؤسسات الدستورية والادارية العامة بالشلل الكامل , حتى يستطيع ان يستخدم السلطة الاستثنائية التي تقررها له هذه المادة والجدير بالذكر هنا انه على اثر تمرد الجيش الفرنسي المرابط في الجزائر في 21 نيسان 1961 , اصدر الجنرال ديغول وبتاريخ 30 نيسان 1961 قرارا بتطبيق المادة (16) , حيث اثار ذلك جدلا فقهيا وقانونيا واسعا حول مدى توافر الشروط الموضوعية المشار اليها اعلاه في ذلك التاريخ ,فذهب بعض الشراح بالقول الى ان هذه الشروط لم تتحقق استنادا الى انه في هذا التاريخ لم يكن السير المنتظم للسلطات العامة الدستورية متوقفا , اذا لم يقم اي عائق امام اجتماع مجلس الوزراء والبرلمان ومجلس الشيوخ , وعلى خلاف هذا الرأي ذهب فريق آخر من الشراح الى ان شروط تطبيق المادة (16) , كانت متوافرة في 30 نيسان 1961 , حيث وجد في هذا التاريخ خطر عاجل يهدد مؤسسات الدولة والجمهورية .
2- الشروط الشكلية
حيث تلزم المادة ( 16) رئيس الجمهورية ان يستشير مقدما وقبل ان يضعها بذلك موضع التطبيق , عليه استشارة كل من رئيس الوزراء ورئيس الجمعية الوطنية ورئيس مجلس الشيوخ , اضافة الى رئيس المجلس الدستوري , حيث ان الرأي الذي تشير اليه هذه الشخصيات والهيئات الاستشارية غير ملزم , فلرئيس الجمهورية السلطة والحرية في قبول الرأي او رفضه واستنادا الى القانون الاساسي بشأن القواعد المتضمنة لسير العمل بالمجلس الدستوري يشترط ان يكون رأي المجلس فيما يتعلق بتوافر المادة (16) , مسببا وان ينشر واذا اخذنا النظر بالاعتبار القوة الهائلة والتي يتمتع بها الراي العام في فرنسا , فان رئيس الجمهورية يرتكب مخاطرة شديدة اذا اعلن تطبيق المادة (16) بالرغم من انتهاء المجلس الدستوري يتعليل مفاده عدم توافر شروط تطبيقها والامر يكون العكس من ذلك , اذا لم يطبق المادة (16) بعد ان رأى المجلس الدستوري توافر شروط تطبيقها , اذ ان نشر هذا الرأي يدعم موقف رئيس الجمهورية في مواجهة الرأي العام والذي ينفر بطبيعة الحال وعادة من تطبيق النظام الاستثنائي , بحكم ما يتضمنه من تقييد للحريات العامة والحقوق المكتسبة , هذا بالاضافة الى ان المادة ذاتها تشترط او يوجه رئيس الجمهورية خطابا للامة يخبرها بحقيقة قراره اي بتطبيق المادة (16) , وان المقصود بتطبيق هذا الاجراء الشكلي ان يوضح رئيس الجمهورية للرأي العام الاسباب التي دفعته لتطبيق المادة (16) , ليحظى بتأييد الشعب لهذا القرار الخطير والذي اتخذه .
ان دراستنا لحالة الضرورة ونظرية الظروف الاستثنائية يفتح لنا حكما وبشكل مباشر الباب على اشكالية وتساؤل اساسي ومهم مفاده : الاشكالية في ما مدى اعتبار التأخر في تأليف الحكومة وبالتالي لفترة تصريف الاعمال , هي من الظروف الاستثنائية ووضع مؤسس لحالة الضرورة ؟
انظلاقا من السؤال والذي يقول : ماذا تستطيع ان تفعل حكومة تصريف الاعمال في الظروف الاستثنائية والاوضاع الضاغطة؟
حيث ان حكومة تصريف الاعمال هي مرحلة انحلال وتملص الحكومة من المسؤولية السياسية , لكن بصعود نجم الرقابة والمسؤولية القضائية المباشرة على الاعمال الادارية , حيث ان نشاط الحكومة محصورا بالاعمال الادارية الضرورية واليومية , غير ان عملية الاقرار بوجود ظروف اسثنائية وحالة الطوارئ او الضرورة لا بد ان تتم استنادا الى اجتهادات مجلس شورى الدولة , حيث انه المرجع الصالح لاصدرا قرار لمثل هذا الاجتهاد , بالتعاون مع الهيئات الرقابية القضائية , هيئة التشريع والدراسات , وضمن حدود مقيدة وليست مطلقة بطبيعة الحال .
حيث ان مجلس شورى الدولة وبوصفه هيئة استشارية مهمتها تقديم المشورة للحكومة سواء في سن القوانين او مباشرة شؤون الادارة , او الفصل في المنازعات , ان مجلس شورى الدولة هو مستشار الحكومة في اعداد مشاريع القوانين والمراسيم , وهو ايضا الذي يرد على طلبات المشورة التي ترفعها الحكومة حول مسائل قانونية , كما انه يقوم بطلب من الحكومة او عفوا ومبادرة منه بدراسات حول اي مسألة ادارية متعلقة بسياسة عامة , خصوصا عندما تكون الدولة في مرحلة مهمة ومصيرية ويداهمها خلل من شانه ان يؤثر على استمراريتها وادائها والتزاماتها .
فيساهم بالتالي مجلس شورى الدولة في تدعيم دولة القانون وحماية الحقوق عن طريق بسط سلطة الرقابة القضائية على اعمال الادارة والتي تعد من اقوى ضمانات المشروعية والمنصوص عنها في الدستور .
ان الحكومة في الظروف الاستثنائية انما تؤسس لحالة الضرورة , فالحكومة هي المسؤولة عن تسيير الشؤون العامة وحفظ الامن وتأمين الخدمات العامة والضرورات الحياتية ,والاهم من ذلك من ان يتطلب منها اتخاذ التدابير اللازمة لاعادة البلاد الى حياتها الطبيعة المعتادة , والاولوية هنا لانبثاق حكومة ديمقراطية شرعية .
ففي رحاب الفترة الانتقالية لتصريف الاعمال , لا يتوقف المجتمع عن ديمومته ولا تتوقف الادارات في متابعة نشاطها , لذلك فان امور الانضباط والتنظيم والتقنين لا تتوقف , فهل يحق للحكومة التشريع في مرحلة تصريف الاعمال , عند استجداد الظروف الاستثنائية ؟
فمن المعلوم ان الحكومة لا تستطيع النهوض ولا الاستكمال بمسؤولياتها ومهامها , من دون القدرة على اتخاذ قرارات ذات طابع تشريعي .
تجد نظرية الظروف الاستثنائية جذورها في قاعدة شرعية اساسية مفادها “الضرورات تبيح المحظورات ” .
حيث ان القانون اللبناني قد راعى احكام حالة الضرورة حيث نصت المادة 229 من قانون العقوبات على انه ” لا يعاقب الفاعل على افعال الجأته الضرورة الى ان يدفع به عن نفسه او عن غيره او عن ملكه او ملك غيره خطرا جسيما محدقا لم يتسبب هو فيه قصدا شرط ان يكون الفعل متناسب وخطره ; وقياسا على ذلك فما تبيحه حالة الضرورة للفرد تبيحه اكثر للسلطة , فبحسب نظرية الظروف الاستثنائية تصبح قرارات السلطة تشريعية في ظروف غير عادية لكونها ضرورية لتامين النظام االعام وحسن سير المرافق العامة , حتى لو بدت غير شرعية في الظروف العادية , حيث ان للظرف الاستثنائي شرعية استثنائية تحل محل الشرعية العادية في الظرف العادي , ومن شأن الشرعية الاستثنائية توسيع صلاحية السلطة والادارة توسيعا لا تلحظه في الغالب القوانين النافذة (جان باز – الوسيط في القانون اللبناني (ص 431-423 ) والقضاء الاداري اللبناني , دراسة مقارنة د. محسن خليل 149-165 .
ان ثمة نصوص تشريعية لبنانية في واقع الامور توسع صلاحية السلطات الادارية في الازمات ,ولا سيما في حالة الحرب , حيث ان المرسوم الاشتراعي رقم 52 بتاريخ 5 أب 1967 يوسع صلاحية السلطة العسكرية بعد اعلان حالة الطوارئ ,وذلك مثلا يتخويلها فرض التكاليف العسكرية بمصادرة الاشخاص والاشياء والممتلكات , وفرض الغرامات الجماعية وابعاد المشبوهين ,وفرض الاقامة الجبرية ومنع التجوال وفرض الرقابة على اجهزة الاعلام .
فاذا اعتبرنا الحرب من ابرز واهم واشد الظروف الاستثنائية , فان االاجتهاد اعتبر ” الظروف العصيبة ” ايضا نتيجة للحرب وقد قام بتطبيقها قياسا في زمن السلم ايضا تحت ما يسمى ” الظروف الحرجة ” , حتى ذلك في الظروف التي تشوبها تهديدات واضرابات , او وجود ازمة يؤدي تطبيق الاجراءات الشرعية فيها الى اضطرابات خطيرة (مجلس الدولة الفرنسي فيباز ص 425 وايضا A. Hauriou : Droit constitutionenel et instiuttions politiques 1966
باعتماد نفس الظروف الاستثنائية وبصبغة مشابهة جرى اللجوء آنفا في لبنان الى اعتماد اجراء استثنائي , حيث قد قام مجلس النواب بانتخاب اللواء فؤاد شهاب (1958) والعماد اميل لحود (1998) والعماد ميشال سليمان (2008) ,لرئاسة الجمهورية رغم عدم استيفاء شرط الانفصال عن وظيفتهم من مركز الفئة الاولى والذين كانوا يستلمونه ( قيادة الجيش ) , قبل السنتين من تاريخ انتخابهم وفق احكام المادة (49) من الدستور اللبناني .
حيث تبرر نظرية الظروف الاستثنائية وتجيز للحكومة والادارة مجابهة الاحداث الخطيرة الحاصلة او المحدقة , سلطات اوسع مدى , واكثر فاعلية تجعل التدابير المتخذة تدابير لتفادي امور اخطر وفراغ في السلطة او اي تقصير في الالتزامات داخليا وخارجيا , رغم انا في الظروف العادية غير شرعية (قرار مجلس الدولة الفرنسي تاريخ 26 حزيران 1946 ) مجموعة 89 , مجلة القانون العام سنةة 1941 , ص 542 , .
فان اوسع وافعل ما تستطيع ان تقوم به السلطة الادارية في الظروف الاستثنائية , ولا سيما في المواد التي هي من اختصاص المشرع , اتخاذ التدابير التي تفرضها هذه الظروف , كأن يقوم رئيس مجلس بلدي خلال الحرب او في اي ظرف امني مضطرب بانشاء رسم لتأمين اعاشة الأهلين وسكان البلدة الآمنين , مع ان فرض الضرائب والرسوم من اختصاص السلطة التشريعية دون سواها ( مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 1 تموز 1949 , لكوك ص 321 ).
لقد تركت اجتهادات مجلس الدولة والمحاكم الادارية اثرها في دساتير بعد الدول الاوروبية وخصوصا بعد الحرب العالمية الثانية , حيث تضمن دستور ايطاليا والصادر في 27 كانون الاول 1947 نصا لافتا في هذا المجال , حيث تنص المادة 77:”لا يجوز للحكومة دون تفويض من المجلسين ان تصدر المراسيم لها قوة القانون العادي”.
فاذا اتخذت الحكومة ,تحت مسؤوليتها في حالات استثنائية تقتضيها الضرورة او الاستعجال اجراءات مؤقتة لها قوة القانون وجب عليها ان تقدمها في الوقت نفسه الى المجلس النيابي لتحوليها الى قانون .
حيث يمر لبنان ومنذ فترات متعاقبة , وعند كل حالة تجدد وانتاج في السلطة , حيث القصور لهذه السلطة في انتاج نفسها وتجددها الديمقراطي , بفترة تكون غريبة واجنبية عن المبدأ الاساسي, حيث يسود الاستثناء ويطيل امده , حتى بات القول بان الاستثناء اصبح الاساس والدائم .
فعند كل استحقاق دستوري لتأليف حكومة جديدة واعتبار الحكومة الراهنة مستقيلة او اعتبارها كذلك ودخولها مرحلة تصريف الاعمال , تدخل البلد في آتون مظلم يكون أثره واضحا عبر حالتين , الأولى وهي التأخر في تشكيل الحكومة الجديدة والثانية هي انعكاسا للاولى وعطفا عليها باطالة مدة تصريف الاعمال , وما يتخلله من عدم استقرار والتهديد لمبدأ دستوري مقدس ان “لا فراغ في السلطة ” , وضرورات تصريف تسيير المرفق العام واستمراريته ,وتأمين الحاجة المجتمعية والتي لا تتوقف او لا يتم تقليصها بالتناسب مع تقليص صلاحيات الحكومة في مرحلة انتقالية محددة .
كل تلك الحاجات والمستجدات تخلق لنا الى جانب الحالة اللاستقرارية وعدم الثبات في المؤسسات الدستورية مجالا للعصف الذهني لايجاد الفتوى المناسبة لتفادي كل تلك الامور , ولكن الجواب هو في غاية الدقة والوضوح وبسيط جدا, حيث على الاطراف احترام العقد الاجتماعي والدستور , وان لا يختلقوا التجاوزات من اجل الاستثناءات , لسنا مضطرين للاستثناءات ما دام بامكاننا ان نحترم النصوص ونطبقها وبالتالي نصون مؤسسساتنا ونحترم التزاماتنا الداخلية ثم الخارجية , ولكن انظلاقا من الواقع للامور يقودنا هذا العصف الذهني للتعامل مع المرحلة وتزليل عقباتها ولايجاد المخرج او الفتوى المسكنة لها الى تساؤلات كثيرة واشكالية واقعية لا بد وان تناقش , مفادها : هل ان اطالة امد حكومة تصريف الاعمال وبالتالي التأخر في تأليف حكومة جديدة ,هي فعلا من حالات الضرورة والظروف الاستثنائية ؟ او ان الاجراء الطبيعي هو ضرورة احترام الدستور والاحتكام الى القوانين وتأليف الحكومة بحسب ما تقتضيه تلك التقنينات .
ففي ضوء العديد للاجتهادات من الفقهاء واجتهادات مجلس الدولة الفرنسي بشأن نظرية الظروف الاستثنائية , وفي احكام الدساتير للعديد من الدول , يتضح لنا الكثير من الحقائق والحقوق والموجبات والحرص كل الحرص بغض النظر ان الحالة الاضطرابية واللاستقرارية والضغوط والتي تخيم في لبنان على الدوام في الفترة الانتقالية اي المرحلة التي تمتد بين استقالة حكومة وتأليف اخرى جديدة لان الاعتبار والاخذ بشكل دائم ان التأخر في تشكيل الحكومة الجديدة والاطالة لامد تصريف الاعمال للحكومة المستقيلة حالة من حالات الضرورة وظرف استثنائي , هي سابقة خطيرة وتهديد بمباشر للنظام االديمقراطي ومبدأ الفصل بين السلطات وتفتيت عضوي للحياة الدستورية اللبنانية .
على الرغم من ان الاطالة في امد حكومة تصريف الاعمال والتأخر في التشكيل للحكومة الجديدة من شأنه ان يدخل البلاد بمرحلة حساسة , نظرا للضرورات اليومية والحاجية والتي تفترض وجود تقنينات واجتهادات منظمة لها , الا ان الاقرار بشكل مباشر بانها حالة من حالات الضرورة وانه ظرف استثنائي هو كذلك خطر اكبر ويحمل في طياته فخا مذدوجا , حيث ان التاريخ اللبناني حافلا بتجاوزات دستورية وسوء استعمال وتفسير القانون بحجة الضرورات والظروف الملحة , حيث قد علمنا سابقا وحاليا ويمكننا الاستشراف مستقبلا من ان الاستثناء في لبنان هو دائم , والظروف الاستثنائية والحالات الضرورية نحولها كذلك الى مآرب شخصية وعادة اتفاقية لمصلحة خارجة عن المصلحة العامة وسلام الدولة والشعب وهو المبتغي الاساسي من تلك النظرية .

سابعا : الشغور , الاستثناء الدائم
في لبنان تحول الاستثناء إلى قاعدة دائمة، وأن الشغور في المراكز سيّما القيادية منها أصبح ملازماً للإدارات العامة والمؤسسات الدستورية، بل لقد امتد الشغور إلى وظائف الفئتين الثالثة والثانية في الإدارات العامة، بحيث طغت اللامبالاة، ثمّ الرغبة بتكليف المقرّبين والمحسوبين بتولي هذه الوظائف، بالرغم من أن التكليف يدخل ضمن المحظورات المعددة في المادة 49 من نظام الموظفين.
ففي المؤسسات الدستورية نجد أن الشغور أصابها مجتمعة، فلقد حلّ في مركز الرئاسة الأولى بامتناع مجلس النواب عن انتخاب رئيسٍ للجمهورية، منذ الجلسة الأولى تاريخ 23 نيسان 2014 ولغاية تاريخه، وكان الحلّ بأن تتولى الحكومة صلاحيات الرئيس وكالةً، بحسب بالمادة 62 من الدستور، بالرغم من أن قصد المشترع الدستوري عند وضع هذا النص، هو لتفادي حالة الشغور المفاجئ ولفترةٍ زمنية قصيرة، إلا أن الواقع كان غير ذلك ونتج عنه شغور رئاسي لفترة ليست بالوجيزة .
كما حلّ الشغور في مؤسسة مجلس النواب، عندما أعلنت وزارة الداخلية والبلديات تعذّر إجراء الانتخابات النيابية لأسبابٍ عديدة ساقتها ومنها الأوضاع الأمنية في لبنان والمنطقة، فكان هذا الموقف بمثابة المحفّز لمجلس النواب على إصدار قانونين مدّد بهما ولايته (القانون الرقم 246 الصادر بتاريخ 31 ايار 2013، ثمّ القانون رقم 16 تاريخ 11 تشرين الثاني 2014) وبالرغم من افتقاد هذين القانونين للأساس الدستوري المبرر، ووصفهما بتشريع الأمر الواقع، فإنهما كانا السند الذي ارتكز عليه مجلس النواب لتمديد ولاية أعضائه، ومنع حدوث الفراغ في السلطة التشريعية.
إن الحكومة في لبنان، تجاوزت أوقات شللها لأيام عملها الفعلي، حيث نعيش عصر أزمات الحكومات اللبنانية تأليفاً وممارسة، ومن الصعب بمكانٍ التوافق بسهولةٍ على تأليف الحكومة، كما أن المناكفة والتعطيل هما سمة العمل الحكومي. ونأخذ كمثال فقط: حكومة الرئيس تمام سلام، الذي جرى تكليفه بتشكيل الحكومة بتاريخ 7/4/2013، واستمرّ في مشاوراته حتى تاريخ 15/2/2014 . في هذه الأثناء كلّفت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بتصريف الأعمال، إلا أن المدّة الزمنية الطويلة لفترة تصريف الأعمال حتّمت ابتداع الحلول لمواجهة الاستحقاقات، وتلبية حاجة الدولة والمواطن، فصدر عن رئيس الحكومة التعميم رقم 10 تاريخ 19/4/2013 الذي أجاز اتخاذ القرارات ذات الطابع التصرفي التي تقتضي الضرورة اتخاذها في خلال فترة تصريف الأعمال، على أن يودع مشروع القرار رئاسة مجلس الوزراء للاستحصال بشأنه على الموافقة الإستثنائية لفخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس مجلس الوزراء .
هو طبعاً مخرج غير مقرر في الدستور، بل هو مخالف للمواد 17 و64 و65 و66 منه، لأنه أحلّ ثنائية (رئيس جمهورية- رئيس حكومة) محلّ مجلس الوزراء ومحلّ الوزير في وزارته. وكان المبرر لهذا التدبير هو استمرارية مؤسسات الدولة ومواجهة الشغور القصري الناجم عن استقالة الحكومة.
وفي فترة عمل حكومة الرئيس تمام سلام والمسماة “حكومة المصلحة الوطنية في شكل حكومة توافقية” (وفق التعبير الوارد في الييان الوزاري)، فإن السمة الملازمة لها هي حكومة الاعتكاف والمناكفة وتعذّر انعقاد الجلسات، وحكومة عدم الاتفاق على آلية عملها، مخالفةً بذلك ليس فقط البيان الوزاري، بل مبدأ التضامن الوزاري الذي أوجبته المادة 66 من الدستور، والذي يفترض منطقياً توفر التجانس بين الوزراء حول سياسة الحكومة المتفق عليها في البيان الوزاري الذي يبدو بمثابة الميثاق فيما بين أعضاء الحكومة. (ادمون رباط الوسيط في القانون الدستوري اللبناني، منشورات دار العلم للملايين- بيروت- الطبعة الأولى 1971 ص 795). لكن واقع حكومة لرئيس تمام سلام هو بعكس ذلك، وأن مبدأ استمرارية عمل مؤسسات الدولة، حوّلها أسوةً بمجلس النواب، إلى حكومة أمر واقع لا يمكن الاستغناء عنها.
وفي قيادة الجيش، أدى تعذّر التوافق في مجلس الوزراء على تعيين قائد جديد للجيش، إلى البحث عن مخرجٍ يمنع الفراغ في المؤسسة العسكرية، فجرى الاستعانة بالفقرة الثانية من المادة (55) من قانون الدفاع الوطني الصادر بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 102 تاريخ 16/9/1983، التي أجازت تأجيل تسريح المتطوع ولو بلغ السن القانونية بناء على قرار وزير الدفاع الوطني المبني على اقتراح قائد الجيش في حالات الحرب او اعلان حالة الطوارىء او اثناء تكليف الجيش بالمحافظة على الامن.
وبالرغم من عدم تحقق الشروط المقررة في هذه المادة لتأجيل تسريح قائد الجيش وأعضاء في المجلس العسكري، فإن وزير الدفاع أقدم على اتخاذ هذه القرارات تجنباً لمخاطر شغور مركز القيادة في وقت حرج في ظل العجز عن التعيين الذي يتطلب وفاقا سياسيا مفقودا لا يؤمل تحققه في المدى المنظور.
إذٍ وبالمحصلة، فإن الشغور هو سمة الغالبة في واقع المؤسسات الدستورية والإدارية، وكان تلافي هذا الشغور يتمّ تطبيقاً لمبدأ وجوب استمرارية المؤسسات الإدارية والدستورية في عملها، حتى وإن خرجنا عن الأصول المرسومة قانوناً لضمان هذه الاستمرارية. وسواءً أكانت التدابير المتخذة لضمان الاستمرارية موافقة للقانون أم مخالفة له، فإن الهيئات الرقابية والقضائية قد اتخذت موقفاً ثابتاً بالقبول بهذا الواقع، لأن المحافظة على استمرارية المؤسسات، هو واجب ليس فوقه واجب، وإن الإخلال به يشكل خطأً جسيماً بل هو جرم جزائي يعاقب عليه القانون. وهكذا تحوّل الشغور من حالةٍ عابرةٍ، إلى هاجس مقلق دفع بالهيئات القضائية والرقابية إلى ابتداع الحلول لمواجهته، فتوحّد الجميع حول مبدأ الاستمرارية .

الاصل الطبيعي لنظرية الظروف الاستثنائية
في طبيعة الحال تشكل نظرية الظروف الاستثنائية خروجا استثنائيا عن قواعد المشروعية العادية حيث يسمح القضاء للادارة في ظل الاوقات الغير العادية ان تخرق بعضا من القواعد لمواجهة المخاطر والتهديدات مهما كان شكلها او مصدرها , غير ان الادارة ليست طليقة من كل قيد وضبط , وانما لا بد من ان تتوافر جملة من الشروط حتى تتمكن الادارة من تطبيقها .
حيث ان الهدف من تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية هو لمواجهة المخاطر المختلفة والتي تهدد كيان الدولة وبقائها مرهون بتوافر جملة من الشروط , حيث ان عمدنا الى التداول بها وقمنا باسقاطها او مقارنتها بالواقع اللبناني لوجدناها لا تنطبق بشكل مثالي على ما يسمى بنظرية الظروف الاستثنائية تتعلق بالنظام العام وامن الدولة الداخلي والخارجي .
حيث يشترط وبشكل اولي لتطبيق نظرية الظروف الاستثنائية , ضرورة وجود خطر يهدد الكيان الدولة بقيام الظرف او الحالة الاستثنائية والتي تمس بالنظام العام والسير الطبيعي للمرافق العامة , سواء اكانت بفعل اعمال عدائية خارجية او داخلية , كحالات الاضطرابات والعصيان او بسبب الكوارث الطبيعية بمختلف اشكالها . كما ويفترض في هذا الخطر ان يكون كبيرا وغير متوقع ولا يمكن دفعه بالوسائل العادية من القوانين , وان يكون الخطر حالي ولم ينته بسرعة , فلن يعتد به بانه ظرف استثنائي , حيث انه وبمقارنة بسيطة للوضع في لبنان اثناء مرحلة تصريف الاعمال الانتقالية وتأليف الحكومة الجديدة ,يتبين لنا وبشكل جلي ان هذه المرحلة ليست بمرحلة من مراحل الضرورة والظرف الاستثنائي بالمبدأ , بالرغم من كل الاضطرابات والتقارير الرمادية للتصنيفات والالتزامات ولمستقبل الحياة المؤسساتية .
حيث ان استقالة الجكومة او اعتبارها مستقيلة ودخولها مرحلة تصريف الاعمال ليست بالخطر الداهم والذي يهدد الكيان ومؤسسات الدولة , حيث ان هذه المرحلة , هي الفترة الشاهدة على ركن من ديمقراطية الحياة السياسية للنظام البرلماني بالتجدد الدائم والطبيعي في الجسم التنفيذي للسلطة , واحترام القوانين وميدأ الفصل التام المرن بين السلطات وتعاونها , حيث ان الواقع هو في غير ذلك , هو في الاستعمال السئ لهذه المرحلة الاستثنائية في ثغراتها واستثناءاتها بطريقة سلبية تشكل ضغطا عكسيا على مجريات وواقع الامور .
كما ويفترض ان يتعذر دفع الخطر وفقا لقواعد المشروعية العادية حيث يشترط لتطبيق نظرية الظروف الاستثنائية ان يتعذر على الادارة مواجهة الخطر الجسيم بالقواعد القانونية العادية ,مما يستلزم عليها اللجوء الى قواعد استثنائية تتماشى مع طبيعة الخطر , ومن هنا نستخلص ان الوضع في لبنان اثناء تشكيل حكومة جديدة وخلال مرحلة تصريف الاعمال ليست مرحلة استثنائية ولا تحتاج الى قواعد استثنائية , حيث ان الدستور قد بين لنا بوضوح الخطوات والاليات الواجب اتباعها في هذه المرحلة وبالتالي ليست هذه المرحلة بالمرحلة الخطرة , فالمجال مفتوح لقواعد المشروعية العادية ولسنا بحاجة الى مشروعات وقواعد استثنائية لكي نتجاوز الوضع , فكل ما هو مطلوب هو احترام الدستور والقوانين لجهة المواد والمهل والاجتهادات .
ان الهدف الاسمى للاساس المدئي من نظرية الظروف الاستثنائية وتطبيق اليات وقواعد المشروعية الاستثنائية هو الصالح العام وحماية المصلحة العليا , حيث يجب ان يكون الغرض من تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية هو حماية المصلحة العامة للمجتمع وحسن سير مرفقه العام والذي يعد من ركائز ودعائم وجود منطق الدولة , حماية تشمل كيان الدولة بمفهومه الواسع وصيانه النظام العام ضمن اطر المشروعية والشرعية والتي تتطلبها امور واجراءات سير المرفق العام وانتظامه طبيعي , لتأمين الاستقرار والضمان والامان لشعب ومجتمع هذه الدولة , حيث ان الشعب والمجتمع سابق للدولة ومؤسساتها فسلامة الشعب والمجتمع فوق القانون , نحن هنا لسنا بحاجة الى تطبيق المشروعية الاستثنائية من اجل حماية المصلحة العامة على الدوام , فالظروف الاستثنائية وحالات الضرورة ليست دائمة التحقق ودائمة الوجود , انها بالفعل حالات استئنائية وغير متوقعة وتصدف بشكل فجائي , حيث ان حماية المصلحة العامة والانتظام العام قد تبدا من سلوكية احترام الدستور والقانون والعقد الاجتماعي والقرارات , والامتثال بالاحترام الفعلي للمهل في الدستور والقانون والتي تعطي الهيبة للدستور والقانون وتعكس المتانة والرصانة للمؤسسات كافة وتكون بالتالي الناظم المرن لسلوكية المجتمع في علاقته بنفسه وفي علاقته مع سلطته ما ينتج بشكل ايجابي نمو للثقة والاتزان والالتزام بين الشعب والدولة وتلك هي الهدف الاساسي للديمقراطية .
حيث ان التحليل لواقع الامور في لبنان هو الاختلاق الاصطناعي لنوع من الارباك المؤسساتي وما يعكسه من بث للاشاعات في الاوساط المجتمعية للشعب مرده الاساسي وسببه المركزي عدم الاحترام والالتزام بالمهل الدستورية , لكي يتم اتباع سيناريوهات قانونية ولكنها منحرفة الاهداف وبسوء نية لاهداف ومشاريع لا تمت للقانون والدستور والمشروعية الاستثنائية بصلة , علينا احترام الدستور وتطبيقه , وليس مخالفته واللعب على المهل والتمسك باجتهادات النصوص بوجود النص الاساسي , تمهيدا لتطبيق حالة الظرف الاستثنائي .

-أثار تطبيق الظروف الاستثنائية على الرقابة القضائية
من المسلم به كل التسليم من جميع الفقهاء من ان نظريه الظروف الاستثنائية وجدت لكي تبرر خرق الادارة للقواعد القوانين العادية , ويتأكد هذا الاثر من اعتراف القاضي بوجود هذه الظروف , ما يرتب اذا على تطبيق هذه النظرية اضفاء المشروعية على التصرفات والاعمال والتي تتخذها الادارة رغم كونها غير مشروعة فيما لو اتخذت في ظل ظروف عادية , حيث انها وبشكل بديهي تقلص دور القاضي الاداري في الرقابة الادارية والى اتساع في امتيازات الادارة .
اتساع سلطات الادارة :
حيث انه من مظاهر السلطات الاستثنائية في الظروف الاستثنائية والغير العادية , اتساع سلطات الادارة بحيث تتمتع بقدر من الممارسات التقديرية الاوسع مما تسمح او تجيز القوانين في الحالات المألوفة , اذا اكد مجلس الدولة القرنسي على ذلك في قراره الصادر في 28 شباط 1918 في قضية Dame dol et Laurent والذي جاء فيه على وجه الخصوص :” لا تسود القيمة المفروضة على الادارة في وقت السلم ووقت الحرب فمصالح الامن القومي اثناء الحرب توسع من مفهوم ومتطلبات النظام العام , كما تبرر اجراءات ضبط اداري اكثر شدة .”

رقابة الحد الادنى لدور القاضي
حيث يتضمن تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية مخاطر جسيمة تهدد الحريات للافراد , وما يزيد من هذه الخطورة ان لا يوجد معيار قاطع لما يعتبر ظرفا استثنائيا ,ولهذا عمل مجلس الدولة الفرنسي على ان يوازن هذه السلطات الخطيرة الممنوحة للادارة في مثل هذه الظروف , لحماية حقوق الافراد بشكل تؤمنهم من مغبة اسراف الادارة في استعمال تلك السلطات .
حيث ان من اهم المبادئ والتي يسير القاضي الاداري على تطبيقها ومراعاتها من قبل سلطات الضبط الاداري في ظل الظروف الاستثنائية هو التأكد من توافر الخطر الجسيم وكذلك ملائمة الاجراء تطبيقا لقاعدتين اصليتين في هذا المجال “الضرورات تبيح المحظورات ” , و ” الضرورة تقدر بقدرها ” , بحيث اكد مجلس الدولة الفرنسي في العديد من المناسبات رفضه تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية ومن بينه قراره المتضمن الغاء قرار صادر من احد المحافظين يرفض تنفيذ حكم قضائي خلال مدة حددها المحافظ مسبقا .
حيث ان الظروف الاستثنائية في اجتهاد القضاء هي تلك الظروف والتي يصبح فيها ومتعذرا خلالها وبسببها الاستعانة بالمشروعية العادية في تسيير المرفق العام , حيث انه في هذه الحالة تبرز الحاجة الملحة الى ما يطلق عليه الشرعية الاستثنائية التي تصب في خانة تسيير المرافق والتي تسمح للدولة بمواجهة الظروف الغير الاستثنائية , فما لا يكون مشروعا او قانونيا في الظرف العادي , قد يصبح مشروعا او قانونيا في الظرف الاستثنائي وقف حاجة المرفق العام , حيث انه المبرر الاول لوجود الدولة والسلطة , حيث ان المرجع الصالح والذي له حق تقدير وجود حالة الضرورة او الظرف الاستثنائي هو القضاء , خصوصا عندما يتم الطعن بقرار متخذ اما عفوا او بظرف استثنائي .
ففي المبدا العام , لا تعتبر استقالة الحكومة نافذة الا من تاريخ قبولها من المرجع المختص ولو كان علينا ان تطبق المبادئ العامة في هذه الحالة , ان استقالة الحكومة بشكل نافذ والانتقال من مرحلة اعتبارها مستقيلة , لا تتم الا بعد ان تتشكل حكومة جديدة كون قبولها من رئيس الجمهورية يحصل شفهيا او بتحقق احد حالات اعتبارها مستقيلة بحسب الدستور , فعندما يتم تشكيل الحكومة الجديدة يصدر الرئيس مرسوما بقبول استقالة الحكومة وآخر بتكليف رئيس الحكومة وثالث بتشكيل الحكومة الجديدة , ولذلك وتحقيقا لامر اهم المبادئ الدستورية بان لا فراغ في السلطة والمجتمع والدولة والشعب , حيث ان الحاجة لا تكترث لاستقالة ولا لتصريف الاعمال , ولتجنب اي فراغ وخلو في مؤسسات الدولة ووفقا لاجتهاد القضاء , تعتبر الاستقالة قد قبلت وتستمر الحكومة بتصريف الاعمال لتأمين سير المرافق العامة في هذه المرحلة , حيث تقتصر اعمال الحكومة على تلك العادية الضرورية التي لا بد للقيام بها والا لتوقف المرفق العام ( الوزارات, المؤسسات ,الادارات العامة ) .
اما اذا لم تكن ضرورية بمعنى انه تمت او لم تتم لا يشكل ذلك فرقا او اختلافا في سير عمل المرافق , فلا يحق للحكومة المستقيلة القيام بها فمثلا ان تعيين الموظفين غير ممكن الا اذا كان تعيينهم ضروري الى درجة انه في حال لم يتم ذلك فيستوقف , والامر في تقديره يعود للسلطة القضائية , في حين ان التوقيع على البريد اليومي من قبل الوزير لدفع الرواتب للموظفين فهو من الاعمال الضرورية لتسيير المرفق العام والا سيتوقف عمله .
ان الاغلبية المؤثرة من الفقهاء الدستوريين ترى بان مصطلح الشرعية الدستورية يتنافى ويتناقض مع مصطلح الظروف الاستثنائية , حيث ان الاخيرة هي حالة شاذة تؤدي بنا الى اضطرار الخروج عن احكام القانون ولما كان جوهر مبدأ الشرعية والمشروعية يحمل في ثناياه الالتزام الصارم بالحدود الدستورية , سواء اكانت تشريعات عادية او تشريعات فرعية والتي ترسم طريق تدرج القواعد القانونية ,والتزام الصلاحيات والواجبات الدستورية .
بيد ان الظروف الاستثنائية رغم كونها استثنائية لكنها عامة والصفة الاستثنائية ليست الغالبة فيها بل على العكس قد تكون الصيغة العمومية هي الغالبة , اما فيما يخص الشرعية الدستورية فهناك معنيان اثنان الاول وهو عمومية الصفة او الحالة والثانية مردها بان الشرعية الدستورية منبثقة من السيادة , وهذه حكما تعود الى الشعب والتي تفسر ان الشرعية الدستورية هي شرعية الشعب , حيث ان المؤدى المنطقي لهذا المعنى نتيجته في ان النصوص الدستورية هي نصوص معبرة عن الامة او الشعب لذلك الزم احترامها وجوبيا .
لم تعد المسافة بين استثنائية الظروف ودستورية الشرعية بعيدة , حيث بدا التقارب ووصل الى حد الالتصاق , وذلك لان الظرف الاستثنائي يؤثر سلبا على سلامة الشعب صاحب الشرعية , مما ادى في كثير من الاحيان الى انسجام وانصهار المبدأين في حزمة تنظيمية واحدة .
لقد اثرت الظروف الاستثنائية وحالات الضرورة على الشرعية الدستورية , حيث عمدت على تقسيمها وتحولت الى شرعية دستورية عادية وشرعية دستورية استثنائية , والشرعيتين تنبعان من مصدر واحد ولاجله وهو الشعب حيث ان سلامة الشعب فوق القانون , اذ لم تعد الظروف الاستثنائية خروجا على مبدأ الشرعية بل على العكس من ذلك اننا نرى من الشرعية العادية هي المتحولة الى استثنائية , بحسب ماتحكمها من ظروف وترتهن لها الوقائع من الامور .
في الواقع ندرس احكام الظروف الاستثنائية في الفقه الدستوري تحت مبدأ الضرورة وحالاته , والتي تفيد بشرعية تزويد رئيس الجمهورية في الانظمة الرئاسية والمختلطة , ورئيس الحكومة ومجلس الوزراء في النظام البرلماني , صلاحيات واسعة لا يملكها عادة في الفترات الاعتيادية , لكي تمكنهم من التخلص من خيوط الخطر المحدق والمحيط , والذي يهدد سلامة الشعب والمؤسسات والصالح العام , هذا الاتساع في الصلاحيات يكون سلاحا بيد الحكومة والسلطة التنفيذية , ولما كان الامر كذلك , لا بد من الانتباه ان احكام هذه الظروف لا تبرر الخروج على الاحكام الدستورية والصلاحيات المرتبطة بالمركز القانوني .
حيث ان هذه الظروف تبرر التوسع في الصلاحيات فقط دون المخالفة الدستورية والدليل انه من يملك هذه السعة بالصلاحيات لا يستطيع ان يتجاوز وبشكل سافر صلاحية السلطتين التشريعية والقضائية , حيث ان السلطة التنفيذية لا تملك القدرة على حل السلطة التشريعية في حالات الضرورة واثناء سريان الظرف الاستثنائي , كما ان السلطة القضائية تملك بسط رقابتها على الاحكام والقرارات والتي اتخذت اثناء الظرف الضروري والطارئ للواقع , وهذه الحدود الدستورية هي بحد ذاتها الالتزام البديهي بالشرعية الدستورية .
اننا نعتقد ان الصلاحيات العادية او الاستثنائية يمنحها الدستور لاي جهة يراها كفيلة بان تحقق الغرض المراد منها فلا يعني بذلك باي حال من الاحوال التجاوز على مبدأ الشرعية الدستورية , حيث ان الاخير يعتبر مبدا كل دولة , وما دامت الدولة موجودة قانونا وماديا فان ذلك يعني الشرعية الدستورية سواء العادية او الاستثنائية , واقعية حقيقية وموجودة لسلامة الشعب والمجتمع اصل هذه الدولة .

الخاتمة
في الختام لا يسعنا الا ان نقول بانه من الغير صحيح والمنطقي والقانوني بان نعتبر او نتخذ من الفترة الانتقالية بين اعتبار الحكومة مستقيلة وتأليف الحكومة الجديدة وهي الشكل الطبيعي لانتظام الحياة السياسية واستمراريتها وانتاجها لذاتها , والتي تعكس النتيجة الحتمية للحكم الرشيد واحقاقا للديمقراطية والفصل المتوازن والمرن بين السلطات ,على انها دائما حالة من حالات الضرورة او ظرف استثنائي , حيث ان ذلك الاعتبار هو تناقض تام من حيث الشكل والمضمون لمقتضيات الحكم والعقد الاجتماعي والدستور والقوانين , حتى لو كان لاطالة امد هذه المرحلة من آثار سلبية ووقائع رمادية على الدولة ومؤسساتها وادارتها داخليا ومحليا , وما تحمله ايضا من ضغوطات كثيرة من الداخل الى الخارج محليا واقليميا ودوليا , لجهة الالتزامات والثقة والتمثيل , والمؤسف من الامر ان هذه الاطالة هي في كل الحالات اطالة مصطنعة وخروجا واضحا عن القوانين , وتجاوز واضح للدستور , حيث ان حالة الظروف الاستثنائية كما اسلفناها في الدراسة تحكمها الحالة والظرف والواقع من الامر بشكل كلي وليس جزئي حيث انه لا يمكننا القيام بخراطة الاحداث والوقائع والظروف ايا كانت لكي نجعلها تشبه من حيث الشكل ما تنطبق عليه الظروف الاستثنائية وحالات الضرورة , وهي في المضمون اجنبية عنهم وتحمل في طياتها التفاف وتحايل ضمني على القوانين .
حيث ان الالية الامثل والافضل من اجل تفادي هذه الاستثناءات واللعب على زيفها هي في الدرجة الاولى احترام الدستور وتطبيقه , او بالاتفاق مع السلطات في الدولة , باعتبار ولو ان الحكومة في فترة الصلاحيات الادارية فقط ولكن , ان النظام البرلماني في لبنان لحظ الثنائية في السلطة التنفيذية بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء .
بحسب الدستور اللبناني يقوم رئيس الجمهورية في اصدار مراسيم ثلاثة عند كل مرحلة انتقالية لتأليف وتشكيل حكومة جديدة حزمة واحدة وبشكل تسلسلي متصل ومتضامن , كافل بشكل باطني لتفسير الامور استمرارية الحياة والمرافق العامة
حيث ان المرسوم الاول , بناء على الدستور اللبناني لا سيما البند رقم (5) , من المادة (53) , والفقرة (د) من البند (1) من المادة (69) , باعتبار الحكومة والمعتبرة مستقيلة بمرحلة تصريف الاعمال ,مستقيلة بشكل بات ونهائي .
اما المرسوم الثاني , بناء على الدستور لا سيما البند رقم (3) من المادة (53) , وبناء على المرسوم السابق المتضمن استقالة الحكومة , حيث يتضمن هذا المرسوم تسمية الشخصية الجديدة المكلفة رئاسة الحكومة , وتكليفه بتشكيلها .
اما المرسوم الثالث وهو مرسوم تشكيل الحكومة , بناء على الدستور اللبناني لا سيما البند (4) من المادة (53) , وبناء على مرسوم تسمية الرئيس المكلف وتكليفه تشكيل الحكومة ,بناء على اقتراحه ايضا مرسوم تشكيل الحكومة الجديدة .
حيث يوقع رئيس الجمهورية على المرسومين الأولين بشكل منفرد , ويتشارك التوقيع مع رئيس الحكومة على مرسوم تشكيل الحكومة الجديدة .
حيث ان رئيس الجمهورية هو الحكم الاول وضابط الايقاع , اذ تنص المادة 49 من الدستور اللبناني :” رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة اراضيه وفقا لاحكام الدستور , يرأس المجلس الاعلى للدفاع , وهو القائد الاعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء ….” , مع رئيس السلطة التشريعية البرلمان , حيث ان البرلمان يكون في حالة انعقاد دائمة اثناء فترة تصريف الاعمال حيث نصت المادة (69) الفقرة الثالثة من الدستور اللبناني :”عند استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة يصبح مجلس النواب حكما في دورة انعقاد استثنائية حتى تأليف الحكومة الجديدة ونيلها الثقة .”
ان هذه الدورة الاستثنائية والتي تبقى مفتوحة يقوة القانون وجوبا الى حين تشكيل حكومة جديدة ونيلها الثقة ما يعني ان مجلس النواب هو المرجع السياسي والدستوري الحالي لإدارة الأزمة والمساعدة لتمرير هذه الفترة بالتعاون التام بحسب مقتضيات القانون وللسهر على الانتقال من حكومة الى اخرى فور تأليفها ونيلها الثقة , والسلطة القضائية والتي يجب ان يطلق لها العنان من الاستقلالية والتفعيل لكي تقوم بتفعيل رقابتها على الاعمال الادارية للحكومة عفوا او بناء على طلب البرلمان والاتفاق على مجموعة من الامور تكون بمثابة الخطوات العملية لتفعيل عمل جزئي لعمل الحكومة وصلاحيتها في مجالات تكون مسبقا محل الاتفاق بحسب ما تحتاجه المرحلة ووفقا لما يقتضيه الواقع , تحت رقابة القضاء من خلال الاحكام والقرارات والاجتهادات , مع ربطها بمهلة محددة والزامية تأليف الحكومة الجديدة .
لقد اولى المشرع اللبناني بالاستناد الى الدستور والقوانين والاحكام من خلال الاعتماد على هذه المنهجية التسلسلية والالية القانونية في تشكيلات الحكومات المبادئ الدستورية الاولوية الفضلى والاساسية , وجعل من استقرار المجتمع وسلامة شعبه ومواطنيه الهدف الاسمى لغايته , فرفعها الى مصاف القدسية في القانون , حيث تجلت الاولوية والتجسيد العملي لاهم المبادئ العامة في القانون والنظم السياسية لاي دولة , ” لا فراغ في السلطة” , ” سلامة الشعب فوق سلامة القانون ” , ” استمرارية المرفق العام ” , هي مبادئ عامة كبرى ومهمة وهي من المبادئ الموجهة لاي الية قانونية ودستورية وانتظام في تشكيل الدولة ,ويتوجب على كل الدول تطبيقها واحترامها والسير بما تقتضيه حدودها حيث ان كلها وجدت من اجل تحصين الشعب والمجتمع والدولة ومؤسساتها , بمحفزات الاستمرارية والانتاجية والخدمة بتلبية الحاجات .
حيث ان التفسير الباطني لهذه المرحلة في الدستور ومن خلال القوانين والاحكام , يعتمد على الباطن من الامور وعمقها لما فيه الخير والنفع العام للشعب والمجتمع اصل هذه الدولة , فمن خلال التفسير لباطن الامر نجد ان الدستور كان يقظا ومتيقننا من مثل تلك الامور والوقائع ومتحسبا لها .
حيث انه بالرغم من ان الدستور اعتمد واقر بان الحكومة تكون بحكم المعتبرة مستقيلة , واقر صراحة بضمور صلاحيتها مقتصرة فقط على العاجل من الامور الادارية بالمعنى الضيف اي بانها حكومة تصريف اعمال , انما هي حكومة قائمة وموجودة وطبيعية ولم يأتي يتصرف مخصص لها , حيث ان هذا المعنى الضيق للصلاحية هو المعيار الاول في سلم صلاحيات الحكومة المصرفة للاعمال وليس المعنى الثابت والجامد له , ان هذا السلم هو سلم درجات الصلاحية الاستنسابية , حيث قدر له بالاجتهاد والتفسير ان يكون مرنا ومتناغما لما فيه الخير المصلحة العليا والاستقرار للدولة وشعبها في هذه المرحلة , وهنا يبرز لنا هذا الحرص اللامتناهي للدستور والقوانين لاحترام المبادئ العامة في القانون واعلاء شأنها .
حيث ان الصلاحية الادارية اليومية والمكرسة بالدستور بتصريف الاعمال بالمعنى الضيق هي الاولية هنا والهدف الاساسي لاستمرارية المرافق العامة وادارات الدولة بادنى نشاطها ولكنها ليست ثابتة وجامدة فهي متغيرة ومرنة بحسب الحاجة والضرورة والامر الواقع , حيث تبرز هنا الصلاحية الاستنسابية المخصصة للحكومة القائمة .
حيث عمد المشرع والفقه والاجتهاد على ربط العمل الحكومي واداء الحكومة في هذه المرحلة بسلم من الدرجات والاولويات تعلو وتتغير بحسب الحاجة والظرف والواقع الطبيعي , تكون اولويته الدنيا باعتماد الاعمال الادارية اليومية وتصريفها , ومن ثم فتح المجال لها باعتماد المعايير الاعلى والاهم بحكم الحاجة والظرف والضرورات الملحة عن طريق أليات محددة ومخصصة ومعينة بالمدة وليست مطلقة , بقوة القانون لزيادة ورفع مستوى التفعيل لعمل الحكومة حيث ان الشعب والمجتمع لا يكترس لتفاصيل الحياة السياسية الدستورية , مع ربط الموضوع بشكل واضح بالزامية تشكيل الحكومة الجديدة , وتفعيل الرقابة القضائية على كل تلك التصرفات بشكل كبير ومباشر .
حيث انه من الممكن ان نعتمد وسيلة التفويض للحكومة كاحدى الوسائل الناجحة لتفادي المرحلة الانتقالية كحل , وليس توسيع صلاحيات حكومة تصريف الاعمال , وانما تفعيل جزئي للحكومة وهو مشروط حكما , ومتفق عليه بشكل متوازن لعدم الاختلال في نظام البرلماني , هو تفعيل لعمل الحكومة بما تقتضيه حاجة المرفق العام وضرورة استمراريته مع رقابة قضائية مشددة .
فالقوانين المسماة بقوانين السلطات الاستثنائية De plein pouvoir تخول الحكومة في حقبة معينة ولغاية معينة وفي حقول معينة , حق اصدار مراسيم تتضمن احكاما كان يجب ان يصوت عليها المجلس النيابي , لها قوة القانون , فالتعبير الشامل والمطلق يخولها حق التشريع .
حيث ان السلطة والصلاحية التشريعية والتي تمنح للحكومة هي سلطة استثنائية , تعطى وتمنح في ظروف استثنائية , فيجب ان تحدد ثم تفسر بطريق الحصر والتضييق , لا بطريق التوسع والتشبيه , الا انهم اختلفوا على الشروط والحدود التي يتوجب على االصلاحية التشريعية ان لا تتجاوزها في اعطائها مثل هذه الصلاحيات للحكومة , حيث قد قامت على اساس هذا الخلاف ثلاث نظريات : الاولى ضيقة , والثانية متوسطة , والثالثة واسعة, واذا استقدمنا الاخيرة وهي نظرية العلامة دوغي DUGUIT , نرى انها تعد بحق اكثر النظريات الدستورية مرونة لانها تأخذ بعين الاعتبار الواقع , وتطور التاريخ الدستوري فهي تجيز اصدار المراسيم بالتفويض في وقت الحاجة الملحة والماسة او الانتقالية والحساسة , بحسب ما يفرضه الظرف ولكن على شرطين اثنين :
الأول : ان لا تكون المواد المرخص للسلطة التنفيذية التشريع فيها مواد دستورية كتابة او عرفا , ويضيف الاستاذ دوغي DUGUIT العرف الدستوري , فيحصره فقط في انشاء العقوبات والحد من الحرية الشخصية او التعرض لنظام التملك .
الثاني : في ان تكون الصلاحية الممنوحة خاصة ومحدودة في موضوعها وفي مدة تطبيقها ,حيث انه لا يجوز اقراض الحكومة ببعض الصلاحيات التشريعية الا اذا توافرت في الطلب وفي التفويض العناصر كل العناصر التي تؤلف عذرا كاملا يقتنع به القضاء , المنطق والواقع ويتناغم حكما مع الظرف , فمن هذه العناصر التي بررت في البداية ان في العهد الروماني , ان في فرنسا , ان في لبنان , قبول مبدأ اعطاء الحكومات بعض الصلاحيات التشريعية وهي :
1-الظرف الاستثنائي
2-الحاجة الملحة
3-حصر الموضوع بوضوح تام
4-حصره بوقت معين
حيث ان المراسيم التي تصدرها الحكومة بموجب صلاحياتها الاستثنائية المقررة بالمادة (58) من الدستور , تجعل من مشاريع قوانين المجلس بمقتضاها نافذة بدون اقرارها منه , فهي اعمال صادرة برمتها عن السلطة التنفيذية وتمارس الحكومة بشأنها سلطة ذاتية اختيارية خاضعة لشروط المادة (9) من قانون مجلس شورى الدولة , حيث ان صلاحية مجلس شورى الدولة بصفته مرجعا لقضاء الابطال محددة بالمادة (9) الأنفة الذكر من المرسوم الاشتراعي تاريخ 14 كانون الثاني 1953 , والتي تنص على أن مجلس شورى الدولة ينظر في طلبات الابطال لعلة تجاوز حد السلطة للمراسيم والقرارات والاوامر الادارية الصادرة عن السلطات , سواء كانت تتعلق بالافراد او بالانظمة ,وحيث ان الصفة القانونية في المراسيم الاشتراعية تنحصر بانها تستند الى قانون التفويض الصادر للحكومة ولكنها تبقى على ايه حال مراسيم صادرة عن السلطة الاجرائية , متوفرة فيها المادة (9) من قانون مجلس شورى الدولة والتي تجعلها خاضعة لرقابته .
ان الاعمال التشريعية التي تخضع لرقابة قضاء الابطال فهي الاعمال البرلمانية الصادرة عن السلطة التشريعية , وطالما ان ستد عدم اخضاع هذه الاعمال لتلك الرقابة يقوم اساسا على مبدا الفصل بين السلطات , فان هذا المبدأ لا ينطبق على المراسيم الاشتراعية باعتبار انها اعمال ليست صادرة على السلطة التشريعية انما صادرة عن السلطة الاجرائية والتي تخضع مقرراتها لرقابة القضاء الاداري ( قضاء الابطال) , فتسقط المقولة التي تقول ان عرض المرسوم الاشتراعي على مجلس النواب يحول دون الرقابة القضائية عليه , حيث ان الرقابة البرلمانية لا تمنع من الرقابة القضائية ,حيث انها رقابة تبحث في ملائمة التشريع من حيث موضوعه .
حيث ان البرلمان قد ينظر في هذا التشريع فان كان صالحا ابقى عليه , وان كان غير ذلك فيسقط في الوقت الذي لا يقره فيه , اما الرقابة القضائية فتبحث في مشروعية التشريع واستبقائه للشروط المحددة بالقانون , حيث ينظر القضاء بمدى التزام السلطة الاجرائية في اصداره حدود قانون التفويض فيحكم بصحة الأداء , او انها تجاوزته فيقضي حينها بابطاله , ويعتبر التشريع باطلا منذ صدوره فالرقابة البرلمانية رقابة ملائمة تستعمل بها السلطة التشريعية سلطاتها التقديرية وجزاؤها سقوط التشريع من وقت عدم اقراره , اما الرقابة القضائية فهي الرقابة المشروعة وجزاؤها زوال التشريع باثر رجعي فما دام المرسوم الاشتراعي الصادر عن السلطة التنفيذية لم يقترن باقراراه من المجلس النيابي فان القضاء الاداري حكما يبقى صالحا للنظر فيه .
فالحل اذا ليس بتوسيع الصلاحيات حكومة تصريف الاعمال , وانما بتفعيل العمل الحكومي والوزاري من بوابة الفصل المرن بين السلطات والذي ينتج عنه التعاون المتناغم بين السلطات الثلاث , من اجل التصدي لافرازات الحاجة الملحة والمرحلة الانتقالية من خلال نظرية التفويض والتي من خلالها تمنح للحكومة صلاحية اصدار المراسيم بما تقتضيه الحاجة الملحة والمصلحة العليا لاستمرارية المرفق العام , مع رقابة قضائية مباشرة ومشددة , لما في توسيع صلاحيات الحكومة من فخ كبير ,وتجاوز ملموس لحد السلطة والمؤسسات الدستورية والادارية وتحايل واضح على النصوص القانونية , حيث ان تجربة تخبرنا بان النظام السياسي في لبنان حافل بالاستعمال السئ للسلطة , والتفسير التناقضي للدستور والقوانين والانحراف باهدافها عن غايتها الحقيقية , تحت مظلة الثغرات والاستثناءات في القانون وظروف وحاجيات الامر الواقع .
انطلاقا من الاولية بان حاجة المجتمع وضرورته هي الغاية والهدف لكل الدساتير والقوانين والتي وجدت اساسا لتنظيم المجتمع وشعبه وتأمين مصلحته وحسن سلامة استقراره , فان كانت حاجة المرحلة الانتقالية تكتفي فقط بالصلاحيات الادارية وتصريف الامور اليومية لتسيير امورها وتأمين حاجياتها كان به , اما اذا اضطر بنا الامر وفق متطليات الظرف من رفع درجة وسلم الصلاحيات بنوع من التفعيل من خلال توسيع مروحة الصلاحيات بالتفويض بأليات قانونية صارمة بشكل مخصص ومحدد المدة وليس مطلقا , بما يخدم المرحلة والامر الواقع والنفع العام وما له من خير لاستقرار الشعب والمجتمع اصل وجود الدولة , مع الزامية ربطها باولوية التسريع لتشكيل الحكومة وتأليفها , واعلاء شأن وتفعيل دور الرقابة القضائية كذلك كان به , فسلامة الشعب لا تنتظر لا شرعية استثنائية واخرى عادية , والضرورة تقدر بقدرها .

مقالات مشابهة

المفوضية الأوروبية: قرار محكمة العدل بشأن وسم سلع المستوطنات ليس تمييزا

عيتاني: عضومجلس بلدية بيروت هدى قصقص كانت توافق على معظم قرارات البلدية

تاجرت بالإيزيديات ونظمت حفلات إعدام... إليكم اعترافات "داعشية"

تجدد إطلاق الصواريخ من غزة على المستوطنات

أزمة طارئة تودي بالسفير الأردني في الجزائر

أنباء عن دعوات في طرابلس للتظاهر امام مكتب الصفدي المحيط بساحة النور وامام منزله رفضا لتسميته رئيسا للحكومة