مولود تشاووش أوغلو - امتثلوا للمقترح وإلا سنستمر

Tuesday, July 16, 2019



لقد مر أكثر من نصف قرن على لجوء القبارصة اليونانيين للعنف في عام 1963 واغتصاب جمهورية قبرص التي تأسست بموجب المعاهدات الموقعة في عام 1960 في إطار الشراكة المستندة إلى المساواة السياسية فيما بين القبارصة الأتراك والقبارصة اليونانيين. وبسبب الموقف المتعنت للجانب القبرصي اليوناني، فشلت عمليات التفاوض التي جرت تحت رعاية الأمم المتحدة منذ عام 1968، ولم تتوصل إلى أية نتائج. وعلى الرغم من النهج البناء الذي تبنته تركيا وجمهورية قبرص الشمالية التركية، فشل المؤتمر القبرصي أيضاً ولم يتوصل إلى أية نتيجة في شهر تموز/يوليو 2017 في كرانس مونتانا، وهو الذي شكل الجولة الأخيرة من عمليات التفاوض المتعلقة بالتسوية الشاملة.

والسبب الرئيسي لفشل هذه المفاوضات هو أن الجانب القبرصي اليوناني يرفض تقاسم السلطة مع القبارصة الأتراك. ومانراه هو أن عقلية الجانب القبرصي اليوناني في هذا الشأن لم يطرأ عليها أي تغيير منذ اختتام المؤتمر القبرصي. ولا يزال زعيم القبارصة اليونانيين يعتبر نفسه رئيساً لدولة موحدة يهب الحقوق للأقليات، وهو ما يظهر أنه بعيد كل البعد عن قبول المساواة السياسية مع الجانب القبرصي التركي.

ونحن في تركيا، قلنا أن المفاوضات لا يمكن أن تُستأنف من النقطة التي توقف عندها المؤتمر القبرصي عندما انتهى في عام 2017 دون التوصل إلى أية نتيجة. وبغية التمكن من استئناف المفاوضات، أكدنا على وجوب التحديد المسبق لما سيتم التفاوض حوله، وبموجب أي هدف، وفي إطار أي من الوسائل سيتم ذلك. وعلى مدى السنوات الخمسين الماضية، لم تتمخض المفاوضات الرامية إلى إنشاء فيدرالية تتكون من شطرين ومجتمعَين، عن أية نتيجة. ونرى أنه من غير المفيد الانخراط في عملية جديدة لا نهاية لها وليس لها رؤية جلية أو غرض واضح، والبدء بالتفاوض من أجل التفاوض فقط. ونحن في تركيا لا نهمش ولا نفرض أي نموذج للحل. وإنما ندافع عن ضرورة وضع كافة الخيارات على الطاولة. وما يهمنا أكثر من اسم نموذج الحل هو تضمين هذا الحل بنوداً تكفل المساواة السياسية للقبارصة الأتراك ومشاركتهم الفعالة في آليات اتخاذ القرار، وتضمن لهم رخاءهم وأمنهم.

ومن جهة أخرى، إذا ما أريد الشروع في عملية تفاوض جديدة من الآن فصاعداً، فإنه ينبغي التأكيد مسبقاً على أن الجانبين في الجزيرة يمتلكان رؤية مشتركة وأنهما مستعدان للتفاوض بالاستناد إلى أرضية مشتركة. وفي ظل الظروف الراهنة التي تراجع فيها الجانب القبرصي اليوناني عن التفاهمات التي تم التوصل إليها سابقاً ورفض فيها المساواة السياسية للقبارصة الأتراك، يصعب الحديث عن وجود هكذا أساس مشترك.

ونحن نقف وجهاً لوجه أمام إدارة قبرصية جنوبية يونانية تستفيد من جميع مزايا العضوية في الاتحاد الأوربي، وترى نفسها المالك الوحيد للجزيرة. وكما أن الجانب القبرصي اليوناني لا يقْدم على تقاسم السلطة مع القبارصة الأتراك الذين يشاركون في ملكية الجزيرة على أساس المساواة السياسية، فإنهم لا يرغبون كذلك بتقاسم الثروات الطبيعية معهم في الجزيرة. ومن خلال ممارسة إدارة قبرص الجنوبية اليونانية الأنشطة الهيدروكربونية من جانب أحادي، فإنها لا تتجاهل الحقوق الأصلية للقبارصة الأتراك في الموارد الطبيعية فحسب، بل تنتهك أيضاً حقوق تركيا النابعة من القانون الدولي ضمن جرفها القاري الذي سجلته لدى الأمم المتحدة.

وقد أكدنا منذ البداية على وجوب إشراك القبارصة الأتراك أيضاً في آليات صنع القرار أثناء اتخاذ أي قرار يتعلق بالثروات المشتركة للجزيرة. ولكن الجانب القبرصي اليوناني رفض مقترحات التعاون التي تقدمت بها السلطات القبرصية التركية في عامي 2011 و 2012. وعلاوة على ذلك، لا تنظر إدارة قبرص الجنوبية اليونانية للأسف إلى موضوع الهيدروكربونات كعنصر ينبغي تقاسمه والبت فيه بالاشتراك مع القبارصة الأتراك، وتزعم أنها تضمن منح حقوق القبارصة الأتراك بعد التوصل إلى تسوية. وقيام الجانب القبرصي اليوناني في الوقت الحالي بتسويق ثروات الجزيرة وبالشروع في الحصول على العائدات، وبتأجيل استفادة القبارصة الأتراك من هذه الحقوق إلى ما بعد التوصل إلى التسوية التي يعرقلها بنفسه، أمر مرفوض من قبلنا ومن قبل القبارصة الأتراك على حد سواء. ولهذا السبب، يعد المقترح الذي تقدم به القبارصة الأتراك بتاريخ 13 تموز/يوليو 2019 بشأن الموارد الهيدروكربونية، خطوة صائبة للغاية تم اتخاذها في الوقت المناسب. ويهدف هذا المقترح الذي نقدم له دعمنا الكامل إلى إقامة التعاون بين القبارصة الأتراك والقبارصة اليونانيين، بصفتهم شركاء متساوين في ملكية الجزيرة، بشأن الموارد الهيدروكربونية التي يتمتعون بحقوق متساوية عليها، بما فيها تقاسم الإيرادات، واستفادة الجانبين معاً من هذه الموارد بالتزامن. وفي حال تنفيذ هذا المقترح سيكون من شأنه أن يطلق مرحلة تعاون جديدة بين الجانبين، وأن يساهم في تطوير وتعزيز السلم والاستقرار والتعاون في المنطقة، وأن يخلق أرضية مناسبة لإيجاد حل للقضية القبرصية.

وهناك بُعدان لقضية الهيدروكربونات في شرق البحر الأبيض المتوسط. ويتعلق البعد الأول بحماية حقوق تركيا في جرفها القاري، ويتعلق البعد الآخر بالقضية القبرصية بذاتها.

إن تركيا التي تملك أطول شريط ساحلي في شرق البحر الأبيض المتوسط، عازمة على حماية حقوقها ومصالحها داخل جرفها القاري. وربط هذا الشأن مع القضية القبرصية بشكل مباشر لا يعتبر أمراً صحيحاً، حتى أن حكومتنا تواصل وبحزم ممارسة أنشطة البحث والتنقيب داخل الجرف القاري التابع لنا وضمن المناطق التي منحت تراخيص عمل بشأنها لشركة البترول التركية في عامي 2009 و 2012، مع الإشارة إلى أننا قمنا بتسجيل حقوقنا في الجرف القاري من الناحية الجغرافية والقانونية لدى الأمم المتحدة منذ عام 2004. وفي الوقت الحالي تعمل سفينة التنقيب التركية "فاتح" داخل الجرف القاري التركي. ونرى أن إدارة قبرص الجنوبية اليونانية تثير الصخب والضجيج في كافة المنابر، وتتقدم بشكاوى كيدية تقول فيها أن "تركيا تنتهك المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لي". لماذا كيدية؟ لأنه لا توجد اتفاقية بين جزيرة قبرص وتركيا حول تحديد منطقة الولاية البحرية فيما يتعلق بالمنطقة التي تقوم فيها سفينة فاتح بأعمال الحفر. وبالتالي، من غير الممكن من الناحية القانونية إطلاق تسمية من قبيل "المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لإدارة قبرص الجنوبية اليونانية" على هذه المنطقة. والنهج الذي تتبعه تركيا في هذا الخصوص ينسجم مع القانون الدولي. فوفقاً لقانون البحار، إذا ما ألحق وجود الجزر الضرر بإجراء ترسيم حدودي عادل ومنصف، يمكن لدى القيام بأعمال الترسيم منح تأثير محدود -أو حتى معدوم في بعض الحالات- لهذه الجزر مقارنة بالقارات لجهة خلق جرف قاري ومنطقة اقتصادية خالصة لها. ولا يوجد إطلاقاً وسيلة في القانون الدولي اسمها البعد المتساوي التلقائي. وقد تبنت الاجتهادات الكتابية الدولية الصادرة بهذا الشأن، سواء كانت قانونية أو قضائية، الترسيم العادل والمنصف مبدأ أساسياً للعمل بمقتضاه. والترسيم يتم إما عبر التوصل إلى اتفاقيات ثنائية لا تخل بحقوق الأطراف الأخرى، أو عبر نقل هذا الموضوع إلى القضاء الدولي. فعلى سبيل المثال، تعتبر الاتفاقية الموقعة بين إدارة قبرص الجنوبية اليونانية ومصر غير نافذة بالنسبة لتركيا بسبب القضية القبرصية، وباطلة بالنسبة للقانون البحري لانتهاكها الجرف القاري التابع لتركيا. وبطبيعة الحال، لا يمكن الخوض في موضوع ترسيم الحدود في غرب الجزيرة إلا بعد التوصل إلى حل للقضية القبرصية، وتأسيس دولة يمكن لتركيا أن تتعامل معها.

ويتعلق البعد الثاني بحماية الحقوق الأصلية للقبارصة الأتراك الذين يشاركون في ملكية الجزيرة، في محيط الجزيرة، وفقاً للقانون الدولي. وفي هذا الصدد، نقدم وبحزم دعمنا الكامل لجمهورية قبرص الشمالية التركية. والأنشطة التي نقوم بها في المناطق التي منحت حكومة جمهورية قبرص الشمالية التركية تراخيص العمل فيها لشركة البترول التركية في عام 2011، إنما تندرج ضمن هذا الإطار. كما تقوم سفينة التنقيب ياووز وسفينة المسح الزلزالي خير الدين بربروس باشا بممارسة نشاطاتهما داخل هذه المناطق.

وباختصار، تقوم تركيا بتنفيذ الخطوات التي أكدت عليها بقوة منذ البداية، على أرض الواقع خطوة خطوة. وهكذا، نقوم بالرد الميداني الفعلي على الأنشطة الهيدروكربونية التي يقوم بها الجانب القبرصي اليوناني من جانب أحادي بعد تهميش القبارصة الأتراك. كما أن تركيا ستواصل موقفها المبدئي والحازم في هذا الشأن. ومثلما أكد السيد الرئيس رجب طيب أردوغان في كل مناسبة فإننا لن نسمح أبداً بانتهاك الحقوق والمصالح المشروعة للقبارصة الأتراك.

ونحن عازمون على مواصلة أنشطتنا دون أي تغيير ضمن المناطق التي منحت جمهورية قبرص الشمالية التركية تراخيص العمل فيها لشركة البترول التركية، طالما أن القبارصة اليونانيون لا يقيمون تعاوناً مع القبارصة الأتراك المشاركين في ملكية الجزيرة، يتضمن آلية لاتخاذ القرارات بشأن موارد الهيدروكربون، ولا يؤسسون آلية تعاون وفق المقترح المؤرخ في 13 تموز/يوليو.

إننا من دعاة السلام والاستقرار في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط. حيث أن تركيا تمتلك أطول شريط ساحلي على البحر الأبيض المتوسط، لذا فإنها تتمتع بموقع محوري من الناحية التاريخية والجيوسياسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة. وفي هذا الإطار، فإن المساعي الرامية إلى إقامة الشراكات والتعاون من أجل تهميش تركيا في المنطقة محكوم عليها بالفشل. وفي الواقع، ينبغي النظر إلى هذا الأمر على أنه نتيجة طبيعية لحقائق المنطقة والقانون الدولي.

ومن الواضح أن القبارصة الأتراك هم ضحايا استمرار الوضع الراهن في الجزيرة. ولن نسمح أبداً بأن يدفع القبارصة الأتراك ثمن عدم التوصل إلى تسوية، حيث أن القبارصة الأتراك وافقوا على خطة عنان التي رفضها الشعب القبرصي اليوناني، وبذلوا كل جهد ممكن في سبيل التوصل إلى حل، وقدموا كل التضحيات الممكنة، وأظهروا الموقف الإيجابي والبناء أيضاً في المؤتمر القبرصي الذي انتهى في تموز/يوليو 2017 في كرانس مونتانا. ولم تتخلى تركيا أبداً عن القبارصة الأتراك، وبذلت كل جهد ممكن لحماية حقوقهم ومصالحهم. وإذا ما اقتضت الحاجة فإننا لن نتهرب عن بذل التضحيات من الآن فصاعداً أيضاً.

مقالات مشابهة

ايطاليا تحتجز سفينة مهاجرين عالقة قرب سواحلها

غارات "مجهولة" تستهدف مجددا مواقع للحشد الشعبي بالعراق

الجيش يوقف مطلوبين سوريّين في عرسال

آلاف المهاجرين السوريين يستعدون لمغادرة إسطنبول

التحكم المروري: قتيل نتيجة حادث صدم في محلة سقي في سير الضنية

تشكيل المجلس السيادي في السودان لقيادة المرحلة الإنتقالية