"سيدر" وإصلاح المرافق العامّة في لبنان: الحقيقة الصعبة

Friday, May 31, 2019

يستمرّ النقاش حول المسائل المتّصلة بتنظيم قطاعَي الاتصالات والطاقة. ولكنّه سرعان ما تحوّل إلى نقاش سياسي بدلًا من اقتصادي. تبقى الاقتراحات قاصرة عن تحقيق أي فائدة طالما ظلّت من غير إطار قانوني واضح وشفّاف ومستقلّ. ولا يمكن للقواعد الناظمة أن تكون معزولة عن باقي الإصلاحات وهي جزء لا يتجزّأ من التزامات «سيدر».

على لبنان أن يأخذ بالخبرات العالميّة الواسعة في هذا المجال؛ أوّلاً لتحديد الأهداف الأساسيّة التي يجب تحقيقها، وثانيًا لتحقيق التوازن بين القواعد الناظمة وتحرير الخدمات العامّة. فعند وجود عوائق هيكليّة تزيد من احتمالات الاحتكار، تزداد الحاجة إلى بعض القواعد الناظمة.

إنّ قلّة الاستثمار في البنية التحتيّة أدّى إلى قصور كبير في تأمين الخدمات الأساسيّة، بما فيها الكهرباء وإمدادات المياه والصرف الصحّي والنقل وإدارة النفايات والاتصالات وغيرها. ويتمّ توفير هذه الخدمات في سوق تتسمّ بضعف المنافسة أو بالأحرى انعدامها. إذ أدّى الوضع المالي الحرج للبلاد، خلال السَنوات الخمسة عشرة الماضية، إلى انخفاض حادٍّ في الإنفاق العام على البنية التحتيّة.

يقدّر إجمالي الدَّيْن العام بنحو ١٥٠٪ من الناتج المحلّي الإجمالي في نهاية العام ٢٠١٨، وهو من ضمن المعدّلات الأعلى في العالم[1]. بالإضافة إلى ذلك، تشكّل كلفة خدمة الدَّيْن العام نحو ١٠٪ من الناتج المحلّي الإجمالي سنويًا، وهي تستنزف نحو نصف الإيرادات المحلّية. بالنَتيجة، يُعاني لبنان من عجز مالي كبير ومُزمن تجاوزت نسبته ١٠٪ من الناتج المحلّي الإجمالي في العام ٢٠١٨. كما يشهد انخفاضًا للنفقات الحكوميّة الاستثماريّة، التي يبلغ مُعدّلها الوسطي، منذ العام ٢٠٠٠، نحو ١٫٥٪ من مجمل الناتج المحلّي الإجمالي، وهو أقلّ بكثير من مُعدّل البلدان المُشابهة[2].

ونتيجةً لانخفاض الاستثمارات العامة، تَدهورت شبكة البنية التحتية في البلاد ونوعيّتها، ولا سيّما الكهرباء وإمدادات المياه وإدارة النفايات والنقل والخدمات الأساسيّة الضروريّة لتحقيق رفاهية السكّان. في الواقع، من بين ١٣٧ بلدًا، يحتلّ لبنان المرتبة ١٣٠ لناحية جودة البنية التحتيّة بمجملها؛ إذ تحلّ جودة إمدادات الكهرباء في المرتبة ١٣٤، وجودة الطرق في المرتبة ١٢٠، وجودة اشتراكات الخلوي في المرتبة ١٠٤[3].

إلى جانب حرمان لبنان والقطاع الخاصّ من الخدمات الضروريّة التي توفّرها البنية التحتيّة للنشاط الاقتصادي، كان لتدهور هذه الخدمات ثلاثة آثار إضافيّة غير مرغوبة؛ (أ) لجوء القطاع الخاصّ إلى تأمين أشكال بديلة عن هذه الخدمات وبصورة غير مُنظّمة – مثل مولّدات الكهرباء الخاصّة والحَفر غَير القانوني لآبار المياه – هو في متناول فئة مُحدّدة من السكّان دون سواها. (ب) عدم استعداد المُقيمين في لبنان لدفع الكلفة الاقتصادية للخدمات العامّة قبل تحسين نوعيّتها. (ج) عجز في فهم معنى الملكيّة الخاصّة لقطاع الخدمات العامّة والذي يتزامن مع هاجس حماية المصلحة العامّة. وقد يكون ذلك متّصلًا بجهل المواطنين في إمكانيّة تقديم مروحة واسعة من الخدمات التي توفّرها البنية التحتيّة بشكلٍ أكثر كفاءة من قِبل القطاع الخاصّ، ومن دون الاضطرار لتغيير ملكيّة هذه البنية، طالما أنّ هناك حوافز وقواعد تنظيميّة ملائمة.

تتناوَل القوانين الناظمة للبُنية التحتيّة في لبنان، بشكلٍ رئيسيّ، قيام الوزارات المعنيّة بكلّ قطاع بتحديد أسعار الخدمات والتحكّم بعمليّة إدخال فاعلين جُدد ووضع معايير للعمليّات. علمًا بأن تحديد الأسعار يخضع لاعتبارات سياسيّة وليس اقتصاديّة، وتتمّ الموافقة عليه في مجلس الوزراء. وفي حين أنّ مشاركة الحكومة في تحديد الأسعار يمكن أن تكون بنّاءة، بما يسمح بإدراج جملة من الأهداف الاجتماعيّة والسياسيّة، إلّا أن تحكّم السياسة المُفرط بذلك غالبًا ما يأتي على حساب الكفاءة. ومن شأن الضغوط السياسية والاجتماعية أن تخلق حوافزًا وفرصًا لانتهاج سياسات دعم شاملة تستفيد منها مجموعة معيّنة من المستهلكين على حساب مجموعات أخرى. فضلاً عن أن التأثير السياسي قد يميل إلى تأخير أي زيادة مطلوبة في الأسعار (على سبيل المثال دعم أسعار الكهرباء) بما يؤثّر على الملاءة المالية للشركة أو القطاع كلّه، ويؤدّي إلى خفض اهتمام المستثمرين المُحتملين.

وإنّ برنامج الاستثمارات العامّة المقدّم في مؤتمر «سيدر»، تضمّن توجّه الحكومة اللبنانية إلى إعادة تنظيم قطاع الخدمات العامّة، وزيادة دور القطاع الخاصّ في توفير البنية التحتية، وإدخال المزيد من المنافسة على القطاعات المختلفة. ويفترض ذلك وضع إطار تنظيمي واضح وشفّاف ومستقلّ يسهم في تعزيز البيئة التنافسية لتشجيع المستثمرين المُحتملين وإشراك القطاع الخاصّ والحفاظ على الجدوى المالية، وفي الوقت نفسه، تنظيم الأسعار وتوفير الرقابة الفاعلة على هذه الخدمات لأجل حماية حقوق المستهلكين. ويعدّ الإطار التنظيمي مهمّاً بالنسبة إلى المستثمرين الذين يرغبون بمعرفة الآليات الناظمة المعتمدة وصلاحياتها، وخصوصًا لناحية تحديد التعريفات و/ أو الأرباح والجودة ونطاق الخدمة وغيرها.

جمال الصغير- خبير في الاقتصاد وباحث في معهد عصام فارس للسياسات العامّة والشؤون الدولية في AUB

مقالات مشابهة

أمل: لمعاقبة المعتدي على طبيب في مستشفى تبنين

محفوض: حملاتهم ضد الحريري لن تفك أسرهم من المنزلق الذي أوقعوا أنفسهم به

حسن مراد: سوريا الممر ليكسب المزارع

إسرائيل تمنع بطولة رياضية في القدس بحجة "السلطة"

قوة من الجيش تداهم حي "آل المقداد" في الرويس

وفاة صحفية وطيار أثناء تغطية إخبارية في الجو.. هذه تفاصيل الحادث!