حسن منيمنة ــ ترامب وجيل الخمسينات: العودة المستحيلة إلى الماضي العظيم
شارك هذا الخبر

Sunday, July 08, 2018

ليس صعباً رسم معالم الماضي العظيم، والذي جعل دونالد ترامب العودة إليه شعاراً لرئاسته. هو الخمسينات من القرن الماضي، يوم كان ترامب فتىً يافعاً ويوم كانت الولايات المتحدة في أوج قوّتها السياسية والاقتصادية، تستخرج مواردها ومعادنها من جوف أراضيها، وتنتج مصانعها معظم احتياجاتها لتحقق ما يقرب من الاكتفاء الذاتي، وتصدّر للعالم ما يزيد، وتفرض إرادتها حيث تريد، فتجعل من القرن قرنها، وإن بقيت حذرة إزاء الغريب خارجها، ومجحفة إزاء الأسود داخلها.


لم يرُق للرجل ما تلا ذلك، ويشهد سجلّه، إذ تناقلته الصحف والمجلات بسبب شهرته وأسرته في الأعمال والمجتمع، على ذلك. السود خرجوا مما كان مخصصاً لهم من مكان ومقام. وانزعاجه منهم كان جلياً في أكثر من فصل. لا عنصرية عقائدية هنا، ولا رغبة في اجتثاث وفصل ونفي. المطلوب وحسب أن يعودوا إلى مكانهم، إلى مقامهم، فيصمتوا إن طاولهم أذى وتعسف، بل ألا ينكروا معروف هذه البلاد (البيضاء) إزاءهم، إذ منهم من نجح فيما أقرانهم حيث تم استقدامهم يعيشون في القذارة. فالمعترض منهم على مآله آبق يستحق الشتم. أما أن يتجرأ أحدهم بأن يصبح رئيساً للبلاد، فهي الطامة التي تستوجب أن يُطعن بأهليته، وإن تطلب الأمر اجتراح مكان ولادة جديد لإبطال رئاسته. ثم بالتأكيد، ما أن تستقيم الأمور ويخرج هذا الأسود من الرئاسة، حتى يجري الانقضاض على كل ما أقدمت عليه يداه، خفض أو علا، لشطبه وإلغائه وقطع دابره. ولا بأس من التشهير من دون دليل بهذا المتسلل، بين الحين والآخر، واتهامه بأنه تنصت وتجسس هنا، أو جنّس الأعداء هناك.

ما لم يرق البتة لرجل الأعمال، إذ بنى ثروته على الإفلاس حيناً وعلى التذاكي على الشركاء والعملاء والزبائن أحياناً، أن الميزان التجاري لبلاده أخذ بالاختلال في أكثر من موقع. الولايات المتحدة بقيت طبعاً أكبر اقتصاد في العالم، وصاحبة الثروة الأولى. فما يدعو إلى الاستهجان هو أن الآخرين قد تجرأوا على النهوض، بعد الحروب التي استنزفتهم، وحققوا الكسب على حساب من أنقذهم في محنتهم. مفهوم اقتصاد السوق، والذي قد ينظر إلى هذا التبدل على أنه تصحيح صحي لإفراط في حصر الموارد والأموال في الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية وانعكاس موقت لارتقاء اقتصادات ناهضة، لا اعتبار له هنا. المسألة وحسب هي الحقيقة الوقائعية وإن ذكرت خارج السياق: الولايات المتحدة، على رغم أنها الأولى والأثرى، تتراجع، فيما الآخرون، من حلفاء وشركاء وخصوم، يتقدمون. بل إن موقعها المتفوق بأشواط حق لها، بما أنه كان لها يوماً، يأكله الآخرون غصباً، ولا شك أنهم يستهزئون. لا بد بالتالي من استرجاع الحق، ومن إهانة المستهزئين، الصديق منهم قبل العدو.

والسخط كل السخط على أن هؤلاء «النشالين» قد حظوا، مما تعاقب هنا من حكومات غافلة أو متغافلة، بالدعم العسكري والحماية. مفهوم المنظومة الأمنية البعيدة المدى، والتي ترى في حماية دول مفصلية في أرجاء الكوكب وسيلة للحفاظ على علاقة تبعية تستفيد منها الولايات المتحدة أمنياً واقتصادياً، لا اعتبار له هنا. هي وحسب الحقيقة المجردة عن أي نظر: لا يعقل أن ندفع لحمايتهم، فإما أن يدفعوا أو أن نرحل.

لم يكن في خمسينات القرن الماضي همّ مناخ وبيئة، ولم يكن ثمة حديث عن طاقة بديلة، فما الذي يضيّق اليوم على الفحم الحجري ويسعى إلى تغييبه؟ بل المطلوب إعادته، وإن كان الأمر توظيف بضع مئات والإضرار بمئات الألوف. وإذا كان الاقتصاد الحر قد أتاح استقدام بضائع بجودة أكثر ارتفاعاً وبكلفة أقلّ ، فالأصح اعتبارها منافسة مذمومة، والعودة حمائياً إلى ما هو أقل جودة وأغلى ثمناً، عسى أن يؤدي ذلك إلى نهضة صناعية جديدة في هذه الولايات المتحدة التي تخلّت عن مصانعها قبل عقود وارتأت الاعتماد على اقتصاد المعلومات. بل إذا بدا بأن التقدم التقني في اقتصاد المعلومات هذا وما حققه من مضاعفة إنتاجية القطاع الصناعي من خلال اعتماد النظم الآلية الذكية، سيؤدي إلى عرقلة هذه النهضة الصناعية الجديدة الواعدة بإعادة البلاد إلى خمسينات القرن الماضي، فالضرائب والرسوم من شأنها رفع كلفة هذه النظم لاعتراض الواقع المستجد.

ليس ترامب وحده في هذا السعي العبثي للعودة إلى خمسينات القرن الماضي، بل معه شطر مهم من «الجيل الأعظم» في تاريخ الولايات المتحدة، هؤلاء الذين ولدوا بعد الحرب العالمية وشهدوا بلادهم في غلبتها الصناعية وساهموا في تحقيقها، عمالاً وموظفين، وسعوا إلى توجيه أولادهم إلى ما يشابه مسارهم. فاعترضتهم حقيقة لم تكن تفاصيلها وتداعياتها واضحة، بل ليست هي كذلك إلى اليوم، وهي أن عصر العولمة واقتصاد المعلومات قد أبطلا صلاحية مسارهم، وأنهم والجيل الذي يليهم، سيستمرون بالتراجع لا محالة، ما لم يتبدلوا، في واقع لا يبدو معنياً بمساعدتهم على التبدل وإعادة التأهل، لكسب الكفاءات المنسجمة مع عالم جديد لا مكان فيه لأصحاب الطاقات اليدوية من عمال المناجم وعمال المصانع وغيرهم.

حلّ ترامب، من وحي رؤيته الضيقة وغيظه ممن استفاد من التبدل، هو التالي: بدلاً من السعي إلى مراعاة ما تغيّر في نصف القرن الماضي من شأن الحاكم المطلق، أو على الأقل الذي يودّ أن يكون كذلك، لتكن العودة بالبلاد وأهلها إلى ذاك الماضي العظيم.

ضمن طاقم ترامب، ومن هم في صف من لا يرى فيه نهاية تجربة الولايات المتحدة، من يعوّل على تبديل آخر، في الحلول التي يطرحها ترامب. هؤلاء يقولون إن النظام السياسي العالمي قد أهمل هذا الجيل في داخل الولايات المتحدة، وقدوم ترامب بعشوائيته وسفاهته هو ثمن هذا الإهمال. أي أن رئاسة ترامب هي نتيجة اقتصاد حر متوحّش في عدم تقديره لحجم الخسارة في الأوساط المتضررة من العولمة والانتقال إلى اقتصاد المعلومات. فالحل قد يكون بدفع ترامب، وهو الشغوف بالإمساك بأية فكرة تعلي من شأنه، مهما اختلفت عمّا نطق به سابقاً، باتجاه درء التوحش من خلال استيعاب للجيل التالي من المتضررين. لكن صيغة هذا الاستيعاب وأشكاله لا تزال مبهمة.

لا شك في أن ترامب، كما يتضح من سجل أعماله السابقة على رئاسته، أكثر ميلاً إلى تصحيح الأوضاع من خلال الإضرار بالخصوم، منه إلى اعتماد رؤية دقيقة هادفة مفتقدة التفاصيل القابلة للاستثمار الفوري. ثم إنه صادق في رغبته بالعودة إلى عظمة الخمسينات. وقد قيل له، يوم كان المتلاعب والمهرج والبذيء، أنه ليس من خامة الرئاسة. وقلّ أن يمرّ يوم لا يذكّر فيه القوم بأنهم كانوا على خطأ وأنه قد بلغ القمة، ولا يزال كما كان. وقياساً عليه، فهو على ثقة بأن العودة إلى الماضي العظيم متحققة، وإن كانت قناعات الجميع تفترض استحالتها.

مقالات مشابهة

ترامب وصل إلى كاليفورنيا لتفقد الوضع مع تجاوز عدد مفقودي حريق الولاية الألف شخص

رسميا.. العلماء يتفقون على إعادة تعريف الكيلوغرام

وزارة الخارجية الأميركية: لا تزال هناك أسئلة عديدة دون إجابة فيما يتعلق بقتل خاشقجي وسنواصل اتخاذ تدابير إضافية لمحاسبة الذين خططوا وقادوا وارتبطوا بجريمة القتل

ترامب يحسم قضية "تسليم غولن" لتركيا

دفاعات "التحالف العربي" تعترض 3 صواريخ باليستية فوق مأرب.

فاطمة مفقودة.. هل رأيتموها؟

الدفاع الروسية: مقتل 18 عسكريا سوريا بقصف مسلحين لمحافظة اللاذقية

ألفرد رياشي: الحظوظ ضعيفة في تشكيل الحكومة

شبيب يكشف المسؤول عن ​الفيضانات.. وجريصاتي يتحرّك!