وحيد عبدالمجيد ــ حين تقترن أزمة سياسيّة بصاعقة «مونديالية»
شارك هذا الخبر

Sunday, July 08, 2018


لم يكن مفاجئاً انفجار أزمة الحكومة الألمانية بسبب تصاعد الخلاف في داخلها على قضايا الهجرة واللجوء. وليست مطمئنة لأطراف هذه الأزمة، ولكثير من الألمان، التسوية الجزئية الموقتة المتضمّنة في بيان القمة الأوروبية في 29 الشهر الماضي، لأنها لا تقدم حلاً يُنهي الخلافات التي ازدادت في شأن تلك القضايا، ومن بينها الخلافات الألمانية، والتي لا يوجد يقين بأن الاتفاق الذي أُعلن بين رئيسة الحكومة المستشارة أنغيلا ميركل ووزير الداخلية هورست سيهوفر الاثنين الماضي، يمكن أن يؤدي إلى حلّها.


فهذا اتفاق لا يقل هشاشة عن التسوية التي أسفرت عنها القمة الأوروبية، خصوصاً من جهة أن كلاً منهما يقبل تفسيرات مختلفة. كما أن تهميش الحزب الاشتراكي وعدم أخذ رأيه في هذا الاتفاق، يزيدانه هشاشةً، بعد أن أصبح وضع الاشتراكيين حرجاً أمام جمهورهم الذي قبل على مضض أن يكونوا الطرف الأضعف، مرة أخرى، في الائتلاف الحكومي الحالي.

كانت الخلافات في داخل هذا الائتلاف كامنة بين أطرافه، خصوصاً الحزب المسيحي الديموقراطي وحليفه التقليدي الاتحاد الاجتماعي المسيحي. واجهت ميركل صعوبات كبيرة في مفاوضات تشكيل هذا الائتلاف. أنتجت تلك المفاوضات صيغة ائتلافية كان مرجحاً أنها موقتة، وقابلة للانهيار في أية لحظة.

وبدا أن هذه اللحظة حانت في منتصف الشهر الماضي، عندما انفجر الخلاف بين ميركل ووزير الداخلية الذي يرأس الاتحاد الاجتماعي المسيحي، على كيفية التعاطي مع ما بات يُسمى الهجرة الثانوية، أي حركة طالبي اللجوء من بلدان الوصول الأول في جنوب أوروبا إلى ألمانيا. فقد أصر سيهوفر على إعادة كل منهم إلى البلد الأول الذي دخله في أوروبا، بينما سعت ميركل إلى كسب وقت أملاً بالتوصل إلى سياسة أوروبية للجوء.

كان كثيرون من الألمان يتوقعون انفجار الأزمة في داخل الحكومة، ولا يستبعدون احتمال انهيارها، بخلاف الصاعقة التي نزلت على رؤوسهم في 27 الشهر الماضي، عندما هُزم منتخبهم في مباراة كانت مصيرية أمام منتخب كوريا الجنوبية، وغادر المونديال بعد أن فشل في اجتياز دور المجموعات للمرة الأولى في تاريخه (كانت المرة الوحيدة التي خرج فيها المنتخب الألماني مبكراً جداً من المونديال في 1938، لكن قبل تطبيق نظام دور المجموعات، إذ كانت المباريات كلها تُجرى وفق نظام خروج المغلوب).

فشل المنتخب الألماني في الحفاظ على لقب بطل كأس العالم الذي أحرزه في مونديال 2014 في روسيا، وأحبط توقعات بأن يكون ثالث منتخب يحصل على هذا اللقب مرتين على التوالي، بعد منتخب البرازيل الذي ناله في 1958 و1962، ومنتخب إيطاليا الذي أحرزه في 1934 و1938.

لا توجد علاقة بين أزمة ألمانيا السياسية، والصاعقة التي ضربتها في مونديال روسيا، مثلما لا يوجد ارتباط بين مواقع الدول في هيكل النظام العالمي، والإنجازات التي تُحققها في النشاطات الرياضية، بما في ذلك كرة القدم التي تحظى بشعبية جارفة لا تتوافر لغيرها في مختلف أنحاء المجتمع الدولي.

ولم يكن إلا مصادفة، إذاً، اقتران صعود نجم منتخب ألمانيا لكرة القدم في العقدين الأخيرين بازدياد حضورها الدولي، وتوسع نطاق الاعتراف بأهمية دورها، ومشاركتها في بحث كثير من القضايا على قدم المساواة مع الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، وإيجاد صيغة جديدة أُطلق عليها (5+1)، كما حدث في المفاوضات حول برنامج إيران النووي.

حققت ألمانيا في هذين العقدين نجاحاً وتفوقاً في مجالات عدة، على نحو كان يؤهلها لدور أكبر في النظام العالمي، وفي أوروبا بصفة خاصة، ويُمكّنها من تصدر منظومة كرة القدم الدولية التي صعدت إلى قمتها في مونديال 2014 في البرازيل، وحافظت عليها في بطولة كأس القارات في 2017.

لكن المصادفة تثير التأمل عندما تتكرر، على نحو ما، في صورة تزامن بين أزمة سياسية كبيرة قد تُضعف دور ألمانيا الأوروبي، والعالمي، وإخفاق مهول ليس في عبور دور المجموعات في مونديال روسيا فقط، بل لتلقيها هزيمتين في ثلاث مباريات لعبها منتخبها، وتذيّله المجموعة التي كان واحداً من أربعة منتخبات فيها (السويد والمكسيك اللذين صعدا إلى ثُمن نهائي المونديال، وكوريا الجنوبية التي غادرت بعد أن هزمت ألمانيا).

هبطت ألمانيا من قمة المنظومة الكروية الدولية إلى مستوى أدنى، في الوقت الذي تُهدد أزمتها السياسية حضورها المتزايد في النظامين العالمي والأوروبي. وإذا كان تراجعها على صعيد المنظومة الكروية موقتاً، واحتمال صعودها مرة أخرى مرجحاً، فليس واضحاً بعد إمكان استعادتها ما يُتوقع أن تفقده على مستوى حضورها في النظامين العالمي والأوروبي، بسبب تفاقم أزمتها السياسية.

وربما يكمن الفرق، هنا، في امتلاك المنظومة الكروية في ألمانيا إرادة قوية للصعود إلى القمة، وغياب أو ضعف الإرادة اللازمة للاضطلاع بدور قيادي عالمي لدى السياسيين الألمان. وربما تزداد هذه الإرادة وهناً إذا حقق القوميون المتطرفون تقدماً أكبر في انتخابات مبكرة لم يعد إجراؤها مستبعداً في ظل الأزمة السياسية التي تضرب حكومة ميركل.

فقد ظلت مسألة توسع الدور العالمي إحدى أكبر الإشكاليات التي واجهت النخبة السياسية الألمانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأدت إلى ترددها في تعزيز هذا الدور. لم يكن القلق من الأعباء الجديدة التي ستترتب على اضطلاعها بدور القائد الأوروبي الذي يناديها حتى الآن، وتقدمها خطوة أو أكثر في هيكل النظام العالمي الذي تتسم قمته بمزيج من السيولة والاضطراب، السبب الوحيد لهذا التردد.

تحملت ألمانيا أعباء كبيرة على المستوى الأوروبي بصفة خاصة في السنوات الأخيرة. لذلك، لا يصح أن ننسى هنا أثر عبرة التاريخ الذي تحمله ألمانيا على كاهلها. فقد قامت السياسة الألمانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، على إحداث قطيعة مع تاريخ قريب تحول فخرها الوطني به إلى ميل عدواني كان سبباً في خوضها حربين مهولتين هُزمت في الأولى منهما وأُذلت، ثم خرّبت معظم أوروبا ودمرت نفسها في الثانية.

غير أنه على رغم هذا التشاؤم المترتب على اقتران أزمة سياسية كبيرة بهزيمة مونديالية مؤلمة، فالأرجح أن الناخبين سيدركون في الوقت المناسب خطر صعود القوميين المتطرفين، مثلما سيتمكن القائمون على المنظومة الكروية من معالجة أمراضها، لتبقى ألمانيا إحدى النقاط المضيئة في عالم يزحف عليه ظلام التعصب والتطرف والعنف.

مقالات مشابهة

وزير المالية التركي: اجتماع مجموعة العشرين كان مثمرا للغاية والاقتصاد العالمي يمر باختبار صعب في ظل زيادة الحمائية

رئيس بلدية طرابلس يتفقد أشغال المتعهدين في المدينة

أنور الخليل: من يرغب بالإنقلاب على الطائف يعيق تأليف الحكومة

قبلان قبلان من تبنين: للاقلاع عن التسويف والمماطلة في تشكيل الحكومة

السيسي: مصر واجهت خلال السنوات الماضية تحديا خطيرا وهو محاولة إثارة الفوضى وعدم الاستقرار وسط انهيار الدول

التحكم المروري: حركة المرور كثيفة على طريق المريجات بالاتجاهين

مقتل 15 عنصراً من داعش بقصف عراقي على محافظة ديالي العراقية

وهاب: لا مبرر للفتنة التي يقوم بايقاظها ارسلان من أجل مقعد وزاري

اعتصام في بعلبك للمطالبة بوقف الاعتداء على نبع البياضة