فيوليت غزال البلعة- محاربة الفساد... بالشعارات!
شارك هذا الخبر

Monday, June 11, 2018

مجددا، يغوص لبنان في حلحلة عقد تأليف حكومية إرتأى أن تواجهه طوعا لتزيد من رمادية المشهد العابق بما شاب أول إستحقاق إنتخابي بعد عقد، ولم يحدث تغييرا جذريا في التمثيل النيابي رغم إعتماد القانون الجديد.

يتلهّى لبنان بالتوزير على قاعدة حصص أفرزها التموضع الإنتخابي، ويحار في تحديد حجم الحكومة. وفي اللهوة، غفلة عما يمكن أن يلهي المواطن عن ضائقة تضيّق الخناق على معيشة ما عادت كلفتها تتسع لتتلاءم مع دخل ثابت أو حرّ. ولا يبدو أن في الأفق ما يبشّر بقرب إنفراج يخفّف وطأة الأعباء التي تنحو إلى تزايد مفتوحة سقوفه.

في مفارقة، تعكف السلطة الحاكمة على رفع شعار "محاربة الفساد"، ليبدو وكأنه منظومة رائجة قادرة على جمع الأضداد السياسيين حول شعارات ستبقى إن لم تُترجم، سيفا مصلطا على إدارتهم لشؤون مواطن جفّ حلقه وهو يشكو ظلامة تضخمت على مرّ الأعوام. ولا فائدة من عرض نماذج لملفات مصبوغة بفساد الصفقات والسمسرات ما دامت النتائج تعكس قصورا فاضحا في أحوال الإقتصاد.

يقدّر البنك الدولي كلفة الفساد على إقتصاد لبنان بنحو 10 مليارات دولار سنويا. 5 مليارات منها خسائر مباشرة في الإدارات العامة، وهي الأموال التي يخسرها القطاع العام من جرّاء الإهدار والتهرّب الضريبي. والمستفيدون منها هم المسؤولين والسياسيين. والـ5 المليارات الأخرى هي خسائر غير مباشرة مرتبطة بالإستثمارات وفرص العمل التي يهدرها الفساد ويفوّت على الإقتصاد منافعها ومفاعيلها الإيجابية. وفي هذه الخانة، خسائر التهرّب الضريبي المتصل بالإنتاج والرواتب والمبيعات "الفائتة".

جيد أن يبلغ التصميم على محاربة الفساد أعلى المستويات. ولئلا توضع الآليات في غير مكانها التطبيقي وتأتي بغير المرجو منها لتكون على شاكلة "وزارة مكافحة الفساد"، لا بد من التذكير بان الفساد هو "إساءة إستخدام السلطة العامة لأهداف غير مشروعة"، وقد تُترجم بأشكال عدة، يبقى الأكثر شيوعا منها هي "المحسوبية" و"الرشوة" و"الإبتزاز" و"ممارسة النفوذ" و"الإحتيال" وحتى "محاباة الأقارب".

أمثلة كثيرة تقدمها تجارب على مرّ التاريخ لتكون عِبَر منها تتكوّن خلاصات مفيدة، بعدما تحوّل هذا المفهوم السياسي "آفة" تهزّ أضخم الأنظمة وتقوّض أكبر الإقتصادات، وتُمعن في إفقار أكثر الشعوب حضارة وتقدما، وخصوصا حين يتحوّل الفساد "مسهّلا" لنشاطات جرمية مثل تجارة المخدرات وغسيل الأموال والدعارة.

إذا، الفساد "آفة" تنقل عدواها "شراهة" سياسية تفتح آفاق الممارسات على أنواع ثلاث: "الفساد الكبير" الذي يُرتكب على مستوى حكومي عال، و"الفساد الصغير" وهو يومي يُمارس في الإدارات العامة عبر سوء إستغلال السلطة، و"الفساد السياسي" ويتمثّل بالتلاعب بالسياسات والقوانين والقواعد العلمية في عملية تخصيص الموارد المالية للدولة.

من أين سيبدأ لبنان في تطبيقاته المضادة لفساد متجذّر كرّسته الأعراف حقوقا "مشروعة"؟ سؤال تؤكد التجارب السابقة أن إجاباته متعذّرة دوما، لتفضي إلى إنعدام الثقة لا إهتزازها، وتشرّع إمتداد الحلقات لتفسد الإدارة العامة بمعظم طاقمها. فنظام النزاهة المرعي الإجراء يعاني عصفا من حلقات الضعف في الرقابة وإنعدام المحاسبة.

ليس عصيا على لبنان إتخاذ قرار على مستوى رفيع بمحاربة الفساد والنهوض بإقتصاد لا يحتاج إلا إلى إستقرار وقرار. فهنا، ثلاثة نماذج لدول خلعت ثوب الفساد والفقر، وشقّت طريقها نحو الإزدهار والرفاه في أعوام.

كوريا الجنوبية التي إعتُبرت بعد تقسيمها عقب الحرب العالمية الثانية، من أفقر دول العالم، تعتمد على المساعدات الخارجية ولا يتجاوز معدل الدخل الفردي عتبة الـ80 دولارا. إنطلقت في الإصلاح من تأسيس "مجلس التخطيط الإقتصادي" ليشكّل الرافعة في تحديد الأهداف وسياسات معالجة مشكلات التنمية والفقر والقضاء والتعليم الذي خصصت له ربع موازناتها العامة. دخلت الحكومة في شراكة مع القطاع الخاص، منحت بموجبها إمتيازات مثل الحماية من الإفلاس والإضطرابات العمالية. تحوّلت قوة تجارية وصناعية وتكنولوجيا ضاربة، وصُنّفت بين الـ15 الإقتصادات الأكبر في العالم مع ناتج محلي بنحو 1.304 تريليون دولار في 2014، ودخل سنوي للفرد بنحو 30 ألف دولار.

مع إستقلالها منتصف الستينات، كانت سنغافورة دولة تواجه الفقر والأمية وقلة الموارد مع غياب البنى التحتية والمؤسسات العامة، إضافة إلى نسيج إجتماعي حافل بالتناقضات. إستعانت بـ"النخبة السياسية" الجديرة بالثقة. فإستثمرت ثروتها البشرية لتشقّ طريق التنمية والتقدم. لم تتساهل مع الفساد، إذ كافأت الأكفياء وحفّزت المبدعين ومنحت الترقيات لـ"الأفضل" ووضعت الرجل المناسب في المكان المناسب. أيضا، أنشأت "مجلس التنمية الاقتصادي" تولّت رسم السياسات وجذب إستثمارات قامت حوافزها على إلغاء كل الرسوم. حاربت كل أشكال الفساد مستعينة بنظام قضائي عادل، ما جعلها تتصدّر تقارير منظمة الشفافية الدولية كالأقل فسادا بعد دول إسكندنافيا. باتت رابع أهم مركز مالي في العالم، والخامسة الأغنى في إحتياطات العملة الصعبة، مع دخل فردي بنحو 60 ألف دولار !

لم تتخلص البرازيل من إرث الإستعمار البرتغالي المثخن بالتخلّف والفقر إلا بخصخصة مؤسساتها العامة لشركات دولية دائنة لتجعلها شريكة في النهضة. إعتمدت خطة Plano Real لتثبيت الأسعار والأجور ووقف التضخم، وإعتمدت عملة جديدة موازية بقيمتها للدولار الأميركي، بما أتاح لها إستقطاب شركات ورساميل عالمية لوفرة المواد الخام ورخص اليد العاملة ولإتساع أسواق الإستهلاك. شنّت حربا على الفقر وكافحت لتوفير الغذاء لجميع البرازيليين. تحكمت بأسعار الوقود والضرائب لتقلّص الهوّة بين الفقراء والأغنياء. نجحت في عقدين بالإنتقال إلى دولة ذات إقتصاد يعتبر الخامس في العالم.

إن وُجد القرار، سهُل الخيار. الإصلاح هو مفتاح تصويب مسار إقتصاد يعاني فسادا يتفشى صفقات تُبقي الملايين الخضراء في قفص إتهام الحقّ العام إلى حين ثبوت العكس. فهل القرار السياسي بالمواجهة جدي هذه المرة؟... للحديث صلة!

مقالات مشابهة

إليكم نتائج الدورة الاستثنائية للشهادة المتوسطة

بزي: للاسراع في تشكيل الحكومة

الرئيس عون استقبل سفير لبنان في غانا ماهر الخير قبيل سفره للالتحاق بمركز عمله

يهاجمه... للتغطية على خسارته

مقتل شاب سوري وفتاة بحادث سير في محلة الحوش في صور

الاتحاد اللبناني لكرة الطاولة أنهى دورة اعداد مدربين

رسالة حادّة من جميل السيّد...

اتفاق روسي - لبناني على ايجاد حل سريع لملف النازحين

الدفاع المدني يحذر الموطنين من خطر استعمال المفرقعات بمناسبة الأضحى‎