أنطوان العويط- عن العرف الرئاسيّ وإشكاليّات مرسوم التجنيس و...الطعن
شارك هذا الخبر

Saturday, June 09, 2018


العُرف هو عبارةٌ عن مجموعةٍ من القواعد والمفاهيم والمعايير، غير مدوّنة ولم يفرضها التشريع، ألفها العامة فاتفقوا عليها أو باتت مقبولة لديهم.
والعُرف هو ما استقرّ في النفوس، وتلقّته الطباع السليمة بالقبول والاستئناس فعلاً وقولاً، شرط عدم معارضة نصٍّ أو إجماع سابق، بفعل التكرار في حدودٍ واضحة ومناسبات ثابتة.
وهو مصدرٌ من مصادر القانون، لا يتكوّن بفعلِ سلوك شخصٍ معيّن أو موقفٍ محددٍ خاص، بل صادر عن ممارسةٍ عامة معمول بها منذ زمن، في اطّراد وتواتر، ضمن قاعدةٍ مستمرّة ومستقرّة، عامّة ومجرّدة، لا تخالف النظام العام أو أيّ نص تشريعيّ قائم.
من هنا نشأ العُرف في منح الجنسيّة اللبنانيّة عبر مرسوم جمهوريّ استناداً إلى قاعدة تعود إلى زمن المفوضيّة الساميّة الفرنسيّة. وهو شأنٌ يقع ضمن اختصاص رئيس البلاد الذي يشترك معه في التوقيع عليه رئيس الحكومة والوزير المختص، أي وزير الداخليّة والبلديّات. وقد تكوّن ضمن القواعد والمعايير والحدود التالية: عند نهاية كلّ عهد، يستنسب الرئيس إصدار مرسوم إسميّ، يمنح من خلاله الجنسيّة اللبنانيّة لحالاتٍ فرديّة غير جماعيّة لوجود مصلحة لبنانيّة عامة، أو لظروف حياتيّة وإنسانيّة لمستحقّين، أو لمن أدّوا خدمات استثنائيّة للبنان وشكلّوا قيمة مضافة له. ويماثله عُرف استنساب رئيس الجمهوريّة في نهاية عهده، إصدار مرسوم إسميّ بالعفو الخاص، أو منح أوسمة.
قد يكفي هذا الملخّص للسؤال عن ملائمة العُرف الرئاسي في قواعده ومعاييره وحدوده، إضافة إلى قبول العامة به، مراسيم التجنيس الصادرة عن أكثر من عهد، ومنها مرسوم التجنيس الذي صدر مؤخراً، في ظلّ طموح - على خطورة وقع الأعراف وإيقاعاتها وخروجها عن المقاييس - لتحويل كلّ عرف صالح وقيَميّ معمولٌ به، إلى قانونٍ واضح وصريح.
هذا المرسوم على خلاف ما سبقه، أتى أولاً في بداية العهد وطال جماعات وأعداداً واسعة غير فرديّة، من المفروض أن تسلك ملفّاتهم قبولاً أو رفضاً طرق قانون الجنسيّة المعمول به أو قانون استعادتها، بدل المرسوم الجمهوريّ الخاص. رغم ذلك، قد لا يعني كلّ ذلك إسقاطاً مطلقاً لحقّ الرئيس في منح الجنسيّة لأفرادٍ مستحقّين في بداية العهد، ولو طرح في الوقت عينه جدليّة عُرفيّة مستحدثة في هذا الإطار، وسابقة ربما تهدّد الرابط العرفيّ بالقانون في شكل من الأشكال.
هذا من جهّة، ليتبيّن من جهّة ثانية ولاحقاً، وجود التباسٍ واسع ضمن قناعة غير موثّقة، بمنح الجنسيّة اللبنانيّة بمرسوم جمهوريّ لأشخاص قد لا يستحقّوها، إمّا لوجود شبهات قانونيّة في حقّهم في بلدانهم وخارجها، أو لشمول المرسوم مزيجاً من تابعيّات لا يسمح الدستور اللبنانيّ بتجنيسها، ولا يستسيغ عادة العقد الاجتماعيّ اللبنانيّ الفعل عينه تجاه تابعيّات أخرى، لأسباب لا تعدّ ولا تحصى وهي طبعاً – أي الأسباب - غير عنصريّة، وإمّا لارتباط أصحابها السياسيّ في بلدانهم الأم بما يحمله من إشكاليّات ولو لا يحمل هذا الشأن أيّ أثر قانونيّ مانع.
عزّز حالة الشكّ بهذا المرسوم لدى شريحة كبيرة من اللبنانيين، تعاطي الكثير من المسؤولين عنه بطريقة ملتبسة، وتناوله من قبل قانونيين ودستوريين بشكل سلبيّ، خصوصاً بعد عدم نشره في الجريدة الرسميّة. فيما ضجّت معظم وَسائل الإعلام اللبنانيّة ووسائل التواصل الاجتماعيّ، إضافة إلى فريق من السياسيين ومراجع روحيّة ومعهم معنيين مدنيين بالحقوق العامة بمنظماتها وجمعيّاتها الأهليّة، مستنكرة التعتيم عليه من قبل رئاسة الجمهوريّة ورئاسة الحكومة ووزارة الداخليّة، ومحتجّة نظريّاً بحكم التستّر عليه على العديد من الاعتبارات في شأنه.
الغموض هذا أحدث ضجّة، خصوصاً أنّه تمّ إعداد المرسوم قبل الانتخابات النيابيّة بطبيعة الحال، غير أن الإعلان عن توقيعه أجّل لفترة، ربّما لمعرفة مسبقة بإمكانية انعكاسه سلباً على نتائج الانتخابات. كما أثار الشبهات في توقيته في ظلّ فوضى التشكيل الحكوميّ، وفي حضرة حكومة تصريف أعمال صلاحيّاتها محدودة. وعادت الذاكرة باللبنانيين إلى مرسوم التجنيس المشؤوم العام 1994، والتغاضي لاحقاً وإلى اليوم عن عدم تنفيذ ما أبطله مجلس شورى الدولة في شأنه، وإهمال التصحيح الملحق به.
إزاء هذه الوقائع، وفي محاولة للتخفيف أقلّه من الخسائر المعنويّة الكبيرة الواقعة، أحالت رئاسة الجمهوريّة الملف للتقصيّ عن إمكانيّة وجود ثغرات بشأن استحقاق بعض الأشخاص للجنسيّة اللبنانيّة، ومعه المعترضين، إلى وزارة الداخليّة - المديريّة العامة للأمن العام للإستثبات...في دلالةٍ على أنّ الأمن العام اللبنانيّ قد أقصي عن القيام بمهامه ولم يدقّق مسبقاً وفق الأصول بملفات هؤلاء، وفي ظلّ استحالة – كانت قائمة ويمكن أن تبقى – في تقديم معلومات اعتراضيّة من العامة تفيد التحقيق ضدّ...المجهولين من المجنسّين الجدد(؟!)
يبقى أنّ دائرة الاشتباه راحت تتّسع بعد أكثر من أسبوع على انتشار خبر توقيع المرسوم الذي لم يعلن عنه رسميّاً، وربّما لم يكن هناك من نيّة في الأصل على ذلك، بل كُشف عنه تسريباً في سياق السبق الإعلاميّ(؟!)
وخارج الحديث عن الريبة بخصوصه، من الممكن جداً التصحيح في مثل هكذا مرسوم عبر استرداده من قبل الرئيس، في حال ثبوت خلل في الشكل أو لعدم استكمال الإجراءات السابقة في شأنه، أو لتبيّن معطيات تحول دون نفاذه...، كما أنّ الطعن أيضاً ممكنٌ في حال رسوخ الرأي على وجود ما يستوجب الطعن. والرأي الدستوري واضح في "إمكانية الطعن بمرسوم إذا لم يكن تنظيميّاً بعد ربط النزاع مع الجهّة التي أصدرته حتّى ولو لم ينشر في الجريدة الرسميّة وهذا ما ينطبق على مرسوم التجنيس"... والطعن ممكنٌ إذا شمل أشخاصاً تنص مقدّمة الدستور على عدم تجنيسهم، والطعن ممكنٌ إذا شمل أشخاصاً في حقّهم وقائع وشبهات قانونيّة جرميّة ولو سابقة، وممكنّ أيضاً في حال فتحه الباب أمام ملف التوطين... تماماً كما حصل مع المادة 49 من قانون الموازنة العامة.
الغريب فعلاً أنّه، رغم تحوّل الموضوع إلى قضيّة رأيٍ عام، ومع شتّى إشارات الاستفهام في التوقيت والمضمون والأهداف والخلفيّات والمعايير وغيرها، ورغم المنحى الاستيعابيّ الاحتوائيّ في التريّث بالسير به كما هو، والارتياح للدور الذي يقوم به الأمن العام، كم كان مستغرباً وفاقعاً ذلك الارتباك والتخبّط لدى كثر من المسؤولين مع عدم توفير ولو إجابة كاملة شفّافة ومفيدة حول جدوى هذا المرسوم في قيمته الوطنيّة، الموقّع من قبل حارس الجمهوريّة ومسؤوليها، والمفترض به أنه يحمل لنا وللبنان المرتجى من علامات الجمهوريّة...
آخ يا بلدنا!

مقالات مشابهة

البعريني: لنفرح من دون إطلاق رصاص

كأس العالم 2018: كرواتيا تضاعف النتيجة وتتقدم 2-0 على الأرجنتين

المبعوث الدولي إلى اليمن: الأولوية لتجنب مواجهة بالحديدة والعودة بسرعة إلى المفاوضات

مجلس العمل اللبناني في دبي والامارات الشمالية يقيم سحوره السنوي

الدفاع المدني اخمد حريقا في خراج بلدة بتوراتيج

ما هي الهديّة التي قدّمها الحريري الى ميركل؟

تركيا.. ليست الوحيدة التي تواجه تقلبات سعر الصرف

الحريري الى الاردن لساعات.. فما السبب؟

الحريري توجه إلى الأردن في زيارة خاصة لبضع ساعات للمشاركة في حفل قران أخيه نور النعيمي ليعود بعدها إلى بيروت