«غريكزيت» أو التعافي اليوناني
شارك هذا الخبر

Friday, May 18, 2018

يتزايد الحديث هذه الأيام عن خروج اليونان Greek Exit. ولكن هذا الخروج ليس ذلك الذي شغل اليونان وأوروبا قبل سنوات. فبدلاً من خروجها من منطقة اليورو وأخذها صدقية الأخير معها، هي اليوم على حافة الخروج من وضع لم يعتقد أكثر أنه ممكن حتى من فترة قصيرة مضت، أي نجاح برامج الإنقاذ التي حافظت على اقتصادها المثقل بالديون، مستمراً خلال العقد الماضي.


وعبّر أحد أساتذة الاقتصاد في جامعة أثينا عن هذا الحدث بالقول: «إن أوروبا اليوم لديها قصة لترويها. فقد تعافى اقتصاد إحدى الدول الأعضاء فيها بعدما مرّ بأسوأ أزمة شهدها بلد صناعي منذ الكساد الكبير في 1929. وبعدما توقع العالم أن تسبب تلك الأزمة انتهاء اليورو وحتى تفكك الاتحاد الأوروبي، ها هي أوروبا تبرز ثانية كقطب استقرار، وعاد اليورو ليبقى في صلب المشروع الأوروبي».

قبل ثلاث سنوات، لم يكن أحد في أوروبا أو اليونان يعتقد أن ذلك ممكن، اذ كان الطرفان في وضع اشتباك حمل الكثير من التهديد لكليهما، حين طلبت الحكومة اليونانية برئاسة الزعيم اليساري ألكسيس تسيبراس من دائني اليونان في أوروبا شطب بعض الديون وفرض شروط أقل قسوة لإعادة التوازن إلى حساباتها. ولكن «ترويكا» الدائنين أي المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي، اتخذت موقفاً صلباً وهددت بطرد اليونان من منطقة اليورو، إذا لم تلتزم بتنفيذ شروطها. وكان تسيبراس هدد قبلهم بالخروج من اليورو لأن شروط الدائنين كانت مثابة انتحار لليونان. إلا أن الاستفتاء الشعبي الذي أجراه أظهر تمسك اليونانيين بمنطقة اليورو. وكان الانتحار الحقيقي لليونان في ذلك الوقت لو أنها خرجت من اليورو، لذلك قررت الحكومة اليونانية تجرع الدواء على رغم مرارته لأجل استعادة صدقيتها وضمان مساعدة أوروبا لها.

ونفذت اليونان ثلاثة برامج إنقاذ منذ بدء أزمتها، سينتهي الثالث منها في 22 آب (أغسطس) المقبل. ويعني برنامج الإنقاذ تعهد الدول الأعضاء في منطقة اليورو تقديم قروض طويلة الأمد وبفائدة منخفضة من صندوق الإنقاذ الأوروبي من خلال ما يطلق عليه «آلية تسهيلات الاستقرار المالي الأوروبية.

وأعلن رئيس اللجنة الأوروبية جان كلود يونكر في السادس والعشرين من نيسان (أبريل) الماضي، بعد لقائه رئيس وزراء اليونان قبل اجتماع وزراء مال الاتحاد الأوروبي في صوفيا، خروج اليونان من برنامج الإنقاذ الثالث خلال أشهر قليلة، من دون الحاجة إلى قرض دعم من دائنيها. وكان اللقاء بين الطرفين مفعماً بالعواطف التي تعبر عن فرحتهما بالإنجاز الذي تحقق. وثمّن يونكر التقدم الذي حققته اليونان عندما حولت عجزاً في الموازنة بلغ 15.2 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في 2009، إلى فائض بلغ 4.2 في المئة في 2017. وأضاف أن الأوان آن لتعزيز هذه النتائج الإيجابية من قبل الشركاء الأوروبيين.

وطالب اليونان بالاستمرار في تطبيق البرامج التي التزمت بها، وهي تقليص إضافي في الإنفاق وفي الرواتب التقاعدية وزيادة الضرائب والتخصيص. وكان صندوق النقد الدولي طالب بضرورة شطب بعض ديون اليونان، إلا أن دول اليورو، بخاصة ألمانيا، أصرت على أن الوقت لم يحن بعد وإن على اليونان بذل مجهود أكبر قبل الوصول إلى هذه المرحلة. ولكن هذه المرة قال رئيس اللجنة الأوروبية نفسه إنّ علينا الآن أن نركز على شطب بعض ديون اليونان لمساعدتها على الوقوف على قدميها مرة ثانية.

ويحتل اقتصاد اليونان اليوم الرقم 48 كأكبر اقتصاد في العالم بإجمالي ناتج محلي قدرة 192.7 بليون دولار. واعتباراً من 2017 احتلت اليونان المرتبة السابعة عشرة كأكبر اقتصاد في مجموعة الاتحاد الأوروبي المكونة من 28 دولة.

وظهرت علامات التحسن الاقتصادي بعدما نما إجمالي الناتج المحلي (الذي فقد أكثر من 25 في المئة من قيمته خلال فترة الركود) في الفصل الأخير من 2017 للفصل الرابع على التوالي ليسجل 1.3 في المئة للسنة ككل. وتعزز معدل النمو في الفصل الأول من العام الحالي. ويتوقع المراقبون أن يصل للسنة ككل إلى 1.9 في المئة (وسيكون الأقوى منذ 2007 وأفضل من معدلات النمو في الكثير من دول أوروبا). وأن يسجل 2.1 في المئة في 2019، كما رفعت وكالة «فيتش» تقويمها لأداء الاقتصاد اليوناني، ما أعطى دعماً إضافياً للشعور بالارتياح حول بدء اليونان مرحلة اقتصادية جديدة، كما واصل معدل البطالة (الذي وصل خلال الأزمة إلى نحو 30 في المئة من مجموع القوى العاملة) انخفاضه ليصل إلى 20 في المئة وهو مستمر بالانخفاض. كما سجل القطاع الصناعي توسعاً صحياً في آذار الماضي، وبلغ فائض الموازنة في السنة الأخيرة 4.2 في المئة من إجمالي الناتج المحلي وهو تقريباً أكثر من ضعف شروط برنامج الإنقاذ.

وستقدم اليونان استراتيجيتها الجديدة للنمو في أعقاب انتهاء برنامج الإنقاذ الحالي في 22 آب، وتشمل تقليص البيروقراطية وتشجيع الاستثمار وزيادة الحد الأدنى للأجور تدريجاً. وكان تكوين رأس المال الثابت المحرك الرئيس لتحسن الاقتصاد اليوناني، بينما لا يزال الاستهلاك الخاص هشاً. وانعكس التحسن الاقتصادي إيجاباً على دائني اليونان الذين يرون أن ديونها أصبحت أكثر استدامة. ولكن من دون شطب بعض الديون ستظل اليونان تعاني من مشاكل في الأمد المتوسط. كما تحتاج إلى دعم أكثر لاستمرار النمو الاقتصادي في الأمد الطويل. وأعلنت اللجنة الأوروبية عن مبادرات استثمارية جديدة يتم تحضيرها لدعم الاستثمار في اليونان، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة خصوصاً من خلال توفير المعونات الفنية بحيث تستطيع هذه المشاريع الحصول على مزيد من الاستثمارات وتحسين تنافسيتها وخلق فرص عمل جديدة.

من يتابع أزمة اليونان منذ بدايتها لا بد أن يعارض مثلي الآراء التي كانت تشجع على خروجها من منطقة اليورو واعتباره انتحاراً اقتصادياً وسياسياً لها، ويشعر فعلاً بأن الإنجاز الكبير الذي تحقق يعود فضله إلى الحكومة اليونانية والشعب اليوناني من جهة، وإلى جهود الدعم الفني والمالي الذي قدمه الاتحاد الأوروبي لها بحيث صنع الطرفان تجربة لا يمكن وصفها بناجحة فقط وإنما فريدة وأشبه ما تكون بالمعجزة. وأعتقد أن تجربة اليونان ستظل محفورة في التاريخ الاقتصادي الحديث. فهي لم تنضج اليونان فقط اقتصادياً وسياسياً، بل أيضاً الاتحاد الأوروبي الذي اكتسب تجربة فريدة جعلته يعيد النظر بالكثير من سياساته، كما أنضجت اليورو الذي كان يعاب عليه هشاشته وعدم مروره بتجارب قاسية صمد أمامها.


ذكاء مخلص الخالدي- الحياة

مقالات مشابهة

داعش يكشف هوية انتحاري ولاية ننكرهار شرق أفغانستان

مرشح رئاسي تركي يحذر من "حكم الرجل الواحد" برئاسة اردوغان

الصين قد تطور أسلحة "مناخية"!

17 حريقا جديدا في مستوطنات "غلاف غزة" سببتها طائرات فلسطينية حارقة

التحالف العربي: إصابة شخص بسقوط صاروخ حوثي في جازان

العيلاني: أهلنا بمخيم عين الحلوة يدفعون ضريبة تقاعس قوى فلسطينية عن دورها

سعادة: أميون عاصمة القرار السياسي الحر وزمن المتصرفية ولّى

صمته لا يأتي به وزيرا

ملف دقيق يملكه اللواء صليبا