احمد عدنان - انتخابات لبنان تترجم انكسار السُنَّة في المنطقة
شارك هذا الخبر

Tuesday, May 08, 2018


أغلقت صناديق الاقتراع في لبنان بنتائج خطيرة ومتوقعة نتيجة تراكم الأخطاء من القوى اللبنانية السيادية ومن محور الاعتدال العربي.
بلغة الأرقام، حصل أفرقاء 14 آذار (سابقا) على نحو 50 نائبا من أصل 128، او كما قالت "رويترز"، حصلت ميليشيا "حزب الله" وحلفاؤها على 52% من المجلس النيابي، وكانت القوى السيادية قد حازت عام 2009 على أكثر من نصف البرلمان.

وهذا التراجع الصريح من أهم أسبابه قانون الانتخابات الجديد، الذي جعل حضور ميليشيا "حزب الله" عابرا للطوائف، وأسقط من نال العدد الأكبر من الأصوات، مِثل النائب "القواتي فادي كرم في الكورة، وشرذم الأصوات السُنَِية، فضلا عن أن إجراء الانتخابات في ظل تسلح أتباع إيران يجعل الظروف غير متكافئة على الأرض، وقد حذَّرت من خطورة القانون الانتخابي غالبية المراقبين والمتخصصين، وفي مقدمهم وزير الخارجية السعودي عادل الجبير.

لبنان مرآة العرب، لذلك عكست أحوال سُنَّة لبنان واقع سَُّنة المنطقة، فمن نجا من سُنّة العراق تحول لاجئاً في وطنه مع انعدام التأثير السياسي، وسُنًة سوريا بين مقتلة وتهجير على يد الروس والإيرانيين والأتراك، والفلسطينيون مشغولون بالصراع على السلطة بدلا من إقامة الدولة، وبعض الدول العربية، الإفريقية خصوصا، لا تشعر بهويتها السُنّية أصلا.

في لبنان لم يحدث ما سبق إلى الآن، وإن كان لا مفر من تسجيل تراجع ملحوظ. فرسمياً أصبحت هناك كتلة برلمانية سُنّية موالية لإيران ولبشار الأسد. ولم تعد تسمية رئيس الحكومة قراراً حصرياً بيد الزعامة السنية الأولى، او على الأقل أصبح هذا القرار عرضة للابتزاز، ليعود لبنان بذلك إلى مرحلة الوصاية السورية، وهذه المرة بوجه إيراني. ولكن يُحسب للرئيس سعد الحريري، أنه استطاع رغم كل الصعوبات والتحديات أن يحافظ على صدارته للزعامات السنية، وتُسجل له حماية سُنّة لبنان من التهجير والهولوكوست.

الانتخابات شكلت هزيمة للبنانيين
أكثر مما عبّرت
عن هزيمة لطائفة أو لحزب

نتائج انتخابات لبنان شكلت هزيمة للبنانيين أكثر مما عبّرت عن هزيمة لطائفة أو لحزب، فالقوى السيادية دخلت الانتخابات كجماعات طائفية ما يفرقها أكثر مما يجمعها، ويغيب المشروع السياسي وتتلعثم الجملة السياسية التي يتحد تحت رايتها الجميع، والشروخ الشخصية والمصلحية تفوّقت على الهاجس الوطني الأهم والأسمى.

ولم يكن عزوف اللبنانيين عن صناديق الاقتراع مستغربا، فقانون الانتخابات معقد ومفخخ، ولوائح الانتخابات ضم معظمها أطرافاً متناقضين، وهناك خيبة عامة من مآلات "ثورة الأرز"، والنسبية حقيقية في مناطق حلفاء محور الاعتدال ووهمية في مناطق حلفاء إيران.
على الصعيد المسيحي، حقق رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع نصراً كبيراً، أثبت من خلاله أنه الزعيم المسيحي الأول، فالكتلة العونية ذات تورم وهمي بسبب التحالفات التي لا تنتمي إلى الخط العوني، مثل ميشال معوض ونعمة افرام، أما كتلة "القوات"، فتتألف من "القواتيين" حصرا، وفوز جعجع أكد حجمه المسيحي الكبير الذي كان محل تشكيك من خصومه وحلفائه، وحقق التوازن الفاعل في الشارع المسيحي أمام إيران وميليشياتها، وقوى موقفه في وراثة الجمهور المسيحي من الرئيس ميشال عون، كما أنه حسَّن أوراقه ناخبا أو مرشحا في المعركة المقبلة لرئاسة الجمهورية.

وكانت المفارقة بين نتائج الشارعين المسيحي والسُنّي لافتة، فالشارع المسيحي صوّتَ مؤيداً للمصالحة بين "القوات" والعونيين، وتعاطف مع "القوات" أكثر نظير تنكر العونيين لهم، لكن الشارع السُنّي أبدى تبرمه من التسوية الرئاسية بطرق غير مباشرة.
لا يجوز تحميل اللبنانيين وحدهم مسؤولية نتائج الانتخابات، فمحور الاعتدال ربما يتحمل المسؤولية الأكبر رغم أسبابه المفهومة. ومن أخطاء محور الاعتدال: إهمال لبنان منذ سنة 2011 نظير الانشغال بسوريا ومصر واليمن، والمنفى القسري الذي عاشه الرئيس سعد الحريري نحو 5 سنوات بسبب تعرض حياته للخطر.



التعامل مع الحلفاء

ومن أخطاء محور الاعتدال أنه لا يعامل حلفاءه كما تتعامل إيران مع حلفائها، وأبرز مثل تعامل محور الاعتدال مع خصوم التسوية الرئاسية (أشرف ريفي، فارس سعَيد، وبطرس حرب) قبل استقالة الرئيس الحريري في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي وبعدها، إذ بدا أن خصوم التسوية تعاملوا مع أشخاص وليس مع دول، مما أساء كثيرا إلى صورة محور الاعتدال ومنطق الدولة فيه، بل وشجع الناس للإقبال على خصوم الحريري وخصوم أعداء التسوية، وكان المنطق السليم يحتم تشجيع الناس على الالتفاف حول الحريري، ومن لا مكان له، بحكم طبائع الأمور وتركيبة القانون الانتخابي، فمن الأفضل أن يذهب إلى خصوم إيران بدلا من حلفائها.

إن التعامل مع الرئيس سعد الحريري بحاجة إلى مراجعة، فإخراج استقالته، في الشكل، كان بعيدا من التقليدية. لم تكن الخطة السياسية محكمة في مرحلة الاستقالة وما تلاها، وغابت الرؤية الخبيرة في التعامل مع الانتخابات اللبنانية. وفي العموم، أن يكون حليف الاعتدال الأول في أوضاع سياسية ومالية غير مستقرة، أمر غير مستساغ لمحور الاعتدال قبل الرئيس الحريري وجمهوره، حين ان إيران تظهر في صورة من لا يتخلى عن حلفائه ولا ينقلب عليهم، وهذا لا يجوز إطلاقاً.
استخلاص الدروس من المرحلة السابقة ضروري للتفكير في المرحلة المقبلة، التي يجب أن تقسم عناوينها إقليميا ودوليا على النحو التالي: التفكير الفوري في المعركة المقبلة لرئاسة الجمهورية، فهناك شريحة من الناس مع السلطة أيا تكن هويتها. ولذلك إذا آلت الرئاسة المقبلة إلى حلفاء إيران فسترجح الكفة داخليا لمصلحة إيران مرة أخرى.

"لا يمكن مواجهة "حزب الله"
في البيئة الشيعية بخطاب طائفي"

مرحلة 14 آذار ولت بلا رجعة، وكما كان عنوان "ثورة الأرز" التخلص من الوصاية السورية، يجب أن يكون عنوان المرحلة الراهنة التخلص من الوصاية الإيرانية والميليشيات وكل السلاح غير الشرعي.
لا يمكن مواجهة "حزب الله" في البيئة الشيعية بخطاب طائفي في ظل بقاء الجمهورية الإسلاموية الإيرانية قيد الحياة على الرغم من اهتزاز "الحزب الإلهي" في دائرة بعلبك- الهرمل، بل إن الخطاب الوطني العربي الذي يتبنى المصالح المعيشية والمكوّنات اللبنانية هو السبيل الوحيد في هذه المرحلة أقله، وهذا يستدعي تشجيع الحلفاء على تحويل أحزابهم من تجمعات طائفية إلى كيانات وطنية حقيقية عابرة للطوائف.

الحذر واجب من أن تؤدي نتائج الانتخابات إلى تمدد نفوذ "حزب الله"، بالأصالة أو بالوكالة، داخل الدولة اللبنانية والحكومة، او تشريع سلاحه، او ان تتغاضى الدولة عن اعتدائه على بيروت كما فعل في 7 أيار 2008 و2018، وضرورة التعامل إقليميا ودوليا مع "الحزب الإلهي" وفق حقيقته، أحد فصائل الإسلام السياسي الإرهابي الذي تخوض ضده دول الاعتدال حربا بلا هوادة.
العمل على مصالحة سعد الحريري مع خصوم التسوية الرئاسية والمستقلين و"القوات" وتشكيل كتلة حرجة تمنع حلفاء إيران وبشار الأسد من الاستفراد بالحريري والانقضاض عليه أو إضعافه.

كما يتوجب إبقاء شعرة معاوية مع الرئيس نبيه بري، وتعزيز الشخصيات الشيعية المعتدلة والعروبية، لإخراج الصراع مع إيران من الخندق الطائفي، والحوار مجددا مع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط ومعالجة التشوش الذي يشوب علاقته بمحور الاعتدال بهدف الاستثمار في الموقع الاستراتيجي لطائفة الموحدين الدروز في لبنان وسوريا والأردن والأراضي المحتلة.
كذلك يقتضي التعامل مع سمير جعجع عربياً وإقليمياً على أنه الزعيم المسيحي الأول في لبنان، وتعزيز علاقته بالعالمين العربي والإسلامي، والاستثمار في "القوات اللبنانية" كنموذج نقيض لتحالف الأقليات، والهدف من ذلك: ضرب عقيدة المشروع الإيراني الإقليمي في صميمها، وتعزيز صورة التعايش والاعتدال عن العرب والمسلمين، وإعطاء دفعة إيجابية لقيمة المواطنة في الدولة العربية.

احتضان الشخصيات المستقلة في كل الطوائف، ومن صدته السياسة، تحتويه مساحات الإعلام والثقافة التي لا تقل أهمية عن السياسة والأمن.
قد تستدعي المرحلة المقبلة اعتماد تكتيكات 8 آذار في مرحلة الأقلية النيابية، وضرورة إطلاق رؤية إعلامية تستفيد من منهجية 8 آذار الإعلامية، فعلى سبيل المثال نجح إعلام 8 آذار بالكذب على الناس وتصوير "حزب الله" خصماّ لداعش، ولم يتقدم الباطل إلا لسكوت أهل الحق او تقاعسهم عن تسويق قضيتهم أو إهمالهم منابرهم.

وينيغي العمل الدؤوب والصبور وفق رؤية واضحة وتراكمية، لبنانياً من جهة، وعربيا ودوليا من جهة أخرى، لتكوين جبهة صلبة ضد إيران وميليشياتها، وأهمية لبنان هنا، أنه مركز ميليشيا إيران، وتأثيره الاستراتيجي على سوريا والأراضي المحتلة وشرفته الجغرافية على البحر المتوسط وتموضعه كعاصمة للتنوع العربي. والانتصار على إيران لا يتم بين يوم وليلة، ويستلزم اجتثاث "حزب الله" وإسقاط الإسلامويين في طهران.

هذا الكلام يفترض بقاء الظروف الراهنة كما هو عليه، لكن عوامل عدة قد تحدث تطورات دراماتيكية، منها مصير الاتفاق النووي الإيراني، ومنها ما يدور في رؤوس قادة إسرائيل بالنسبة إلى سوريا، ومنها رأي ممولي مؤتمر سيدر الاقتصادي، ومنها تعامل "حزب الله" مع لبنان كمقر أو رهينة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

مقالات مشابهة

حالة طوارئ في مصر لمواجهة السيول والأمطار

فرنجيّة: العلاقة مع سوريا ستستعاد عاجلاً أو آجلاً ونتفهّم البعض الذي يعتبر نفسه محرجاً في هذا الموضوع

فرنجيّة: من الضروري عودة النازحين السوريين والأسد منفتح على عودته ولكنّه يريد أن تتكلّم الدولة اللبنانيّة معهم

فرنجيّة: لا أرى تغييراً كبيراً في "سيدر" عن مؤتمرات "باريس 1 و2 و3" والمشكلة الحقيقية هي تغيير طريقة إدارة الوضع الإقتصادي في البلد

فرنجيّة: لديّ قناعة بأنّ الإصلاحات هي فكر وإذا كان هناك نَفَس لتغيير نهج إدارة الدولة فيمكن القيام بالإصلاحات

دراسة متفائلة عن مستقبل المسيحيين في لبنان

ترحيب باقتراح الضاهر بإنشاء نفق يربط ميناء بيروت بشتورا

فرنجية: عندما حاورت الحريري كان يعتبره البعض "الشيطان الرجيم "

فرنجيّة: لن يكون هناك إتفاق خطي في بكركي نتيجة اللقاء بيني وبين جعجع بل بيان وقد وضعنا الماضي وراءنا ونتطلّع نحو الأمام