ابراهيم العريس- «الأفارقة السود في ماضيهم وحاضرهم» لدوبوا: تاريخ مجيد
شارك هذا الخبر

Thursday, January 11, 2018


يعتقد كثر من الناس المتابعين شؤون الأفارقة- السود وحياتهم وثقافاتهم وحتى معاناتهم، ولا سيما خارج الولايات المتحدة الأميركية، أن المحاولات الفكرية والفنية لإعادة الاعتبار الى هذا «الشعب»، إنما بدأت في شكل جدي يوم كتب أليكس هالي نصّه الكبير «جذور» وحُوّل هذا النص الى مسلسل تلفزيوني يعتبر الأشهر في تاريخ هذا النوع. وهم لئن كانوا يعرفون أنه كان ثمة قبل ذلك حضور لقضية «الأفارفة- السود» هؤلاء في السينما والأدب، فإنه كان يجرى ويتحقق في معزل عن جذورهم الأفريقية والمسار البائس والاستثنائي القبيح في عنفه وآلامه، الذي اتخذه تاريخهم، انطلاقاً من القارة السوداء وصولاً الى العبودية في أميركا... وغيرها. لكن الحقيقة هي أن مسلسل «جذور» لم يكن في أي حال من الأحوال المحاولة الكبيرة الأولى في هذا المجال الذي يربط القضية بجذورها، بل كانت هناك محاولات كثيرة سابقة، لعل أهمها وأجدرها بأن نتوقف عندها، الدراسة الضخمة والعميقة التي نشرها ويليام دوبوا، سنة 1939، في عنوان «الشعب الأسود، ماضياً وحاضراً»، وهي الدراسة التي أضحت منذ ذلك الحين مرجعاً أساسياً، خصوصاً أن الكاتب أراد أن يبرهن فيها- ونجح في ذلك- بأن أفريقيا ليست، كما يرى كثر من المعاصرين، قارة من دون تاريخ، بل هي قارة ذات تاريخ عريق. ومن هنا فإن الأفارقة الذين اقتُلعوا من مناطق تلك القارة، إنما اقتُلعوا في الوقت نفسه من تاريخهم، وجذور هذا التاريخ، ليصبحوا، وفقط في البلدان التي استعبدوا فيها، أناساً من دون تاريخ. ودوبوا، للوصول الى هذا، عاد بالتاريخ الأفريقي الى جذوره البعيدة، كما سنرى في الفقرات التالية.

> «منذ زمن بعيد، عومل الأسود وكأنه مهرج التاريخ، وكأنه بالون اختبار لعلم الإناسة (الأنثروبولوجيا)، وأكثر من هذا بوصفه عبداً يعيش ويموت واضعاً نفسه في خدمة الصناعات الكبرى وغيرها من النشاطات الاقتصادية التي بنت الرأسمالية والعالم الغربي وبخاصة الازدهار الذي ارتبط في القارة الجديدة بما سُمّي الحلم الأميركي. أما ما أردت أن أبرهن عليه في هذه الدراسة، فهو لماذا لا يمكن أحداً أن يدافع عن هذه الأقاويل والمواقف». بهذه العبارات الموجزة يشرح دوبوا ما أراده من هذا الكتاب. وبهذا حدّد دوبوا لدراسته السياسية- التاريخية- الاجتماعية هذه، كونها نظرة بانورامية تشمل في الوقت نفسه، تاريخ الشعوب السوداء، وتاريخ الممالك الأفريقية منذ أقدم العصور حتى زمن الكولونيالية والتمييز العنصري، كما باتا مهيمنين على الأذهان في أفريقيا نفسها، ولكن في أميركا الشمالية أيضاً حتى عشية الحرب العالمية الثانية.

> وكان من الطبيعي لدوبوا، في مثل هذا السياق أن يدرس الكيفية التي توطدت بها التجارة بالرقيق الأسود، ثم العبودية نفسها في القارة الأميركية... ناهيك بالازدهار الذي عرفته الرأسمالية الأوروبية في تلك الأثناء بفضل اغتذائها من المتاجرة بالرقيق، بطريقة جعلت الاستغلال المباشر للسود في مناطقهم الأصلية يُستبدل بنقلهم، بالجملة، الى جزر الأنتيل ومنها الى الأراضي الأميركية.

> وبالتحديد، كما أشرنا أعلاه، كان هذا كله هدفاً أساسياً للدراسة، غير أن دوبوا، كان يتطلع الى ما هو أبعد من ذلك: كان يتطلع الى أن يدرس، عبر الوضع «الراهن» والذي كان مستمراً منذ وجود أميركا الشمالية في قلب السياسة والصناعة والتجارة العالمية، ما كان يشكل ماضي هؤلاء الناس. صحيح أن هذا كله صار اليوم وبفضل أشغال، فردية وجماعية دؤوبة انتشرت خلال ثلاثة أرباع القرن الأخير، معروفاً ومعترفاً به، لكنه في الزمن الذي كتب فيه دوبوا دراسته، كان شيئاً جديداً: كان أمراً غير متوقع أن يأتي باحث ليرسم في خلفية وجود أولئك «العبيد السود الأشقياء»، تاريخاً عريقاً ومتكاملاً، غارقاً في القدم. كان تاريخاً حرص دوبوا على التأكيد أنه كان مزدهراً ومتقدماً في وقت لم تكن أوروبا دخلت فيه ولو بدايات نهضتها، وكانت أميركا لا تزال مجرد غابات وسهوب، بالكاد يقطنها بشر. من هنا كرّس دوبوا الفصول الأولى من كتابه، للحديث عن تاريخ أفريقيا قبل تجارة العبيد، واصلاً الى تاريخ بلاد النوبة، جنوب مصر، ليتحدث عن زمن الفراعنة، حديثاً يكذّب جملة وتفصيلاً، كل ما كان متداولاً قبل ذلك من أن أفريقيا، كانت مناطق استوائية وصحراوية جرداء لا أكثر. وهنا يبدو مهماً ما يورده دوبوا من أسماء كتّاب وفلاسفة وزعماء سياسيين، وشعراء وحتى شاعرات... في مجال تأكيده خطل كل الأطروحات التي كانت تتحدث عن»التخلف الذهني»، أو على الأقل عن «القصور الإبداعي» للسود الأفارقة. بل إن دوبوا يصل، في مجال تأكيد هذا، الى القول إن الحكومات والزعامات السوداء التي توطدت أركانها في ولايات الجنوب الأميركي بعد انتصار الشماليين مناصري تحرر السود في الحرب الانفصالية، لم تكن حكومات وزعامات فاشلة كما يقول بعض المؤرخين العنصريين. فهو يحدثنا هنا عن العديد من التجارب الناجحة. والتي «كان نجاحها سبباً أساسياً في تكالب الخصوم من حولها، وضدها، للنيل منها. وفي هذا الإطار يقيناً أن دوبوا، لو كان يعيش بيننا حتى يومنا هذا لأضاف الى كتابه فصولاً وفصولاً تمعن في تتبع حركة ارتقاء السود الأميركيين، في هوليوود، كما في الأدب، وفي السياسات المحلية، كما في السياسات القومية» من رالف بانش الى كولن باول ومارتن لوثر كنغ والقس جاكسون وأخيراً كوندوليزا رايس وصولاً، طبعاً، الى باراك أوباما، الذي من المؤكد أنه أتى يوم انتخب وسط حماسة كبيرة رئيساً للولايات المتحدة الأميركية بوصفه مواطناً من أصول أفريقية سوداء يصل الى ذلك المنصب فاتحاً الطريق أمام آخرين ما يذكرنا بما أعلنته الإعلامية والفنانة الأميركية الشهيرة قبل أيام عن احتمال خوضها معركة الرئاسة الأميركية في العام 2020 وبالأحرى ضد الرئيس الحالي دونالد ترامب الذي نعرف كم أن رده عليها جاء ساخراً من ناحية لكونها امرأة ومن ناحية ثانية لكونها... سوداء. وفي هذا السياق، يمكننا أن نرى كيف أن النماذج التي ذكرناها تكاد تلخص كل ما كان دوبوا يريد أن يقوله في كتابه هذا.

> غير أن دوبوا لا يكتفي في دراسته هذه، بهذا القدر من العرض التاريخي والأيديولوجي، بل إنه يصل في تحليله الى ناحية كان من الصعب توقع وصول كاتب إليها في ذلك الوقت المبكر عشية الحرب العالمية الثانية، حيث إنه يؤكد لنا، بالشرح المسهب، ارتباط نضال الأفارقة الأميركيين من أجل حريتهم، بالنضال من أجل حرية كل السود في العالم. وهذا أمر كان جديداً لدى دوبوا، وفي عرفنا أنه لا يزال يبدو جديداً حتى يومنا هذا، حتى وإن كان في وسع أي مراقب عادي أن يدركه، ويدرك حجم التعاطف معه في شتى أنحاء العالم ما يحيلنا مرة أخرى الى باراك أوباما، والتعاطف الذي حظي به ترشيحه للرئاسة الأميركية، ثم انتخابه سيداً للبيت الأبيض، بصفته أول أسود في التاريخ الأميركي يصل الى هذا المنصب. والحال أن ليس ثمة مهرب هنا من الإشارة الى أن أول السود الذين كان في وسعهم أن يتماهوا تماماً مع دراسة دوبوا، كانوا سود أفريقيا الذين عانوا ما عانوه تحت ربقة الاحتلالات الأوروبية لبلادهم، ثم تحت ربقة مساوئ ما بعد الاستقلال.

ويختتم دوبوا كتابه هذا عبر تحديد دقيق للعلاقة التي لا تنفصم بين حرية السود من ناحية، وقضية إعادة الاعتبار الى تاريخ الشعوب السوداء من ناحية أخرى، ثم انتصار الفكرة الديموقراطية في العالم كله من ناحية ثالثة. وفي هذا السياق، يبدو شديد الفصاحة الفصل الأخير في الكتاب والذي عنونه دوبوا «مستقبل الديموقراطية في العالم» وفيه يحلل في شكل معمق المشكلات المطروحة أمام الحركات العمالية في أكبر بلدين استعماريين في التاريخ، بريطانيا وفرنسا، بالعلاقة مع قضايا التحرر من الاستعمار. ويرى دارسو فكر دوبوا، أن هذه الصفحات الأخيرة لا تزال تحمل حتى اليوم أهميتها في مجال الإضاءة على نقاط تبدو في شكل إجمالي معتمة، في مجال العلاقة بين الحركة العمالية الأوروبية ونضالات التحرر الأفريقية.

> ويليام إدواردز بورغهارت دوبوا (1868- 1963) كان ناشطاً في مجال المطالبة بالحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وباحثاً وساعياً للوحدة الأفريقية، كما كان مدرساً في علم الاجتماع ومؤرخاً... وهو، اتباعاً لمبادئه، حصل على الجنسية الغانية سنة 1963، أي في السنة نفسها التي رحل فيها، تاركاً العديد من المؤلفات والمواقف التي كان بعضها مثيراً للسجال.


مقالات مشابهة

البعريني يوضّح: ما قصدناه بالرجولة ليس تلك النظرة الغرائزية!

ميراي عون: من غير المنطقي أن يكون نواب "اللقاء الشتاوري" بصوتين!

طائرات إسرائيلية خرقت السماء اللبنانية

المستشارة الاولى لرئيس الجمهورية ميراي عون الهاشم: الوضع صعب جداً في لبنان وقد وصلنا إلى الخطوط الحمراء ولذلك دق الرئيس عون ناقوس الخطر

وهاب: لقاء خلدة يجب أن يكون لقاءً نهضوياً وسندعو لأوسع مشاركة فيه وجنبلاط يغني اللقاء إذا إنضم إليه

وهاب: لن أتهم أحداً قبل نهاية التحقيق ولدينا ثقة بأن الشهيد محمد اغتيل على يد مجموعة من القوى الأمنية وسنتابع الموضوع قضائياً حتى بعد خروجهم من وظائفهم

تشلسي ينفرد بالمركز الرابع بعد هزيمة برايتون

بالصور - أوّل رئيس عربي يزور دمشق منذ بداية الأزمة!

الرئيس السوداني عمر البشير ينهي زيارة غير معلنة لسورية