محمد بدر الدين زايد- مسألة الوسيط غير النزيه
شارك هذا الخبر

Sunday, January 07, 2018

في مقال سابق في «الحياة» أشرت إلى أنه ربما كان الجانب الإيجابي لقرار ترامب في شأن نقل سفارة بلاده إلى القدس، أنه أنهى ولو إلى حين تلك الأسطورة السخيفة حول ما يسمى «صفقة القرن» لتسوية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وطبيعي أن يقول الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) إن الولايات المتحدة لم تعد وسيطاً نزيهاً يمكنه القيام بدور لتسوية القضية الفلسطينية، على أن مسألة النزاهة هذه تستحق نقاشاً هادئاً ومتكاملاً، ربما كان هذا هو السؤال الأكثر تكراراً خلال إلقائي محاضراتي في المفاوضات الدولية على مدى يقترب من ثلاثة عقود، والتي تتاح لي أكثر بعد تقاعدي. وسواء كان الدارسون أو المتدربون من المصريين أو من دول عربية شقيقة، كان السؤال يتكرر ويطرح بأشكال مختلفة، وهو: هل الوسيط الأميركي محايد أو نزيه كما تقترح الدراسات والمفكرون والممارسون العمليون؟ وكانت الأسئلة تنصب وتتركز على دور الولايات المتحدة في محاولات حل أو تسوية الصراع العربي- الإسرائيلي عموماً وفي شكل خاص ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

الحقيقة التي يعرفها كل العرب وغير العرب، وكل من يتابع تطورات الصراع العربي- الإسرائيلي، أن الولايات المتحدة لم تكن قط وسيطاً نزيهاً أو محايداً بين الجانبين، وإنما فقط أقل اندفاعاً في الانحياز لإسرائيل في حالات قليلة ومحددة. وعلينا أن نعود إلى الماضي لنتذكر أن السبب الرئيس لمراهنة الرئيس الراحل محمد أنور السادات على الدور الأميركي هو اعتقاده بانحياز الولايات المتحدة المطلق لإسرائيل، وكونها على حد تعبيره تمتلك 99 في المئة من أوراق اللعبة، النابع من أنها القوة الوحيدة القادرة على التأثير في إسرائيل سلباً وإيجاباً، ما يجعل منها الطرف الوحيد القادر على عملية وساطة. ثم جاء سقوط الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة، وصدارة واشنطن المشهد الدولي، وهو الأمر الذي يشهد تغيراً بطيئاً وتدريجياً حالياً وسبق لنا وغيرنا تناوله في مواضع أخرى. في جميع الأحوال، كانت صدارة واشنطن وضعف تأثير الأطراف الدولية الأخرى سببين في استقرار فكرة أن الولايات المتحدة هي الطرف الوحيد القادر على الوساطة والضغط على أطراف الصراع، خصوصاً إسرائيل. هنا أشير إلى أن إجابتي عن التساؤلات حول سبب اللجوء إلى هذا النوع من الوساطة، كانت تستند بالفعل إلى خلاصة بسيطة مستقرة في دراسات المفاوضات والوساطة، والتي كانت تعززها المتابعة حتى غير المعمقة للسياسة الأميركية تجاه الصراع العربي- الإسرائيلي، وهي أن الأطراف قد تقبل بدور لوسيط غير محايد أو غير نزيه أو كلاهما معاً، وذلك في حالتين: الأولى عدم وجود بديل، والثانية قوة المكافأة أو العقاب الذي يستطيع الطرف الوسيط ممارسته على أطراف أو طرف واحد لقبول شروطه هو أو الطرف الآخر للتسوية.

وهنا علينا أن نتذكر أن حالة الحياد السويسرية في الوساطات كان يطلق على غالبيتها أساساً ما هو معروف باسم «الوساطة الحميدة» والتي تقتصر على النجاح في جمع الأطراف في مكان محايد للتفاوض، وهي مخالفة تماماً لأنماط الوساطة الأميركية التي تقوم في غالبية حالاتها على الانخراط الكامل في عملية التفاوض. فإذا عدنا إلى حالة «وايت ريفرز» التي رعتها إدارة كلينتون، والتي كانت بالقطع أكثر اعتدالاً في انحيازها من الإدارة الأميركية الحالية، إلى حد أن بعض العرب شارك في ظلم الشعب والقيادة الفلسطينية بأنه كان عليها أن تقبل ما هو معروض عليها وشاركوا في لوم الزعيم الراحل ياسر عرفات في ذلك، على أن الحقيقة هي أن الانحياز الأميركي كان واضحاً في تلك المفاوضات وإن كان أكثر اعتدالاً مما نراه الآن، حيث كان أكثر تهذيباً وحياءً، ومع ذلك لم يستطع الجانب الأميركي أن يفرض رؤيته التي قدر أنها أقل انحيازاً من إدارات سابقة أو لاحقة. ثم كان النموذج الثاني وهو جهود وزير الخارجية السابق جيمس بيكر في عهد باراك أوباما، والتي كانت أقرب إلى المسرحية غير الجادة ومجرد استطلاع للرأي أو تغطية على وعود قدمها أوباما في حملته الانتخابية، وفي بدايات عهده، وتحديداً في كلمته بجامعة القاهرة عام 2009، ثم لم يجد لديه من القوة الكافية للضغط على اللوبي اليهودي في بلده أو إسرائيل بما يحقق التسوية العادلة والشاملة للقضية الفلسطينية. ولعل الفارق الوحيد، والذي لم يكن له تأثير، أن أوباما الذي كان مخيباً للتوقعات، ربما كان الأقل انحيازاً لإسرائيل في العقود الأخيرة، ولكنه لم يكن قوياً بما يكفي أو لم يسمح له بذلك لفرض هذه التسوية.

والسؤال الذي يطرح نفسه أنه إذا كان الطرف الأميركي دوماً منحازاً، فهل هناك بديل؟ هنا نعلم جميعاً أنه لم يعد أحد يتذكر الرباعية الدولية، كما أن مبعوث الأمم المتحدة لا حول له ولا قوة، ولا يعرف غالبية الشعب الفلسطيني أو العربي اسمه، والاتحاد الأوروبي فقد الكثير من رونقه، ولم يعد أحد يتوقع الكثير منه، لكننا سمعنا فرنسا تلوح في السابق وأخيراً ببعض الإيحاءات في شأن هذا الدور، كما تضمنت تصريحات للسلطة الفلسطينية أخيراً دعوات إلى روسيا والصين والأمم المتحدة، ليثار سؤال جاد عن إمكانات هذه الخيارات.

كي نناقش هذه الاحتمالات لا بد من البدء بحقيقة مهمة في مسألة الوساطة وهي مدى فاعلية الوسيط، بمعنى مدى قدرته على التأثير في أطراف النزاع أو التفاوض، وهنا أجد من الموضوعية طرح العناصر التالية:

1- إنه في الوقت الذي يجب وقف أي حوار مع الجانب الأميركي في ما يتعلق بالتسوية في ضوء سلبية مواقفه الشديدة، فإنه ليس من الحكمة أن يتوقع الجانب الفلسطيني والعربي أنه يوجد بديل راهن للولايات المتحدة، فلا فرنسا تملك هذا، ولا أي طرف دولي آخر، في ظل هذه المرحلة الدولية المرتبكة التي تتسم بالسيولة والانتقالية الواضحة.

2- إنه إذا كانت معادلات الصراع ليست في مصلحة الجانب الفلسطيني، فإن هذا ليس معطى نهائياً لا يمكن تغييره، وأنه من الضروري أن يراجع الجانب الفلسطيني استراتيجيته، وهنا أكرر معيداً ما سبق لي طرحه منذ أكثر من عام في «الحياة» وفي منابر إعلامية مصرية وعربية أخرى، من أن الاستشراف والبحث في تطبيق نموذج جديد من المقاومة السلمية والاستفادة من تجربة مقاومة النظام العنصري في جنوب أفريقيا هو أحد الخيارات التي تستحق أن ينظر فيها الجانب الفلسطيني، مستفيداً كذلك من ميزة لم تكن متاحة في جنوب أفريقيا وهي القوة الهائلة لوسائل التواصل الاجتماعي.

3- إنه من الضروري توفير غطاء عربي قوي داعم للجانب الفلسطيني ضد قرارات مشابهة لقرار ترامب مثلما بادرت غواتيمالا بالفعل، وهنا فإن الخشية من القول بالمعايير المزدوجة، بمعنى اتخاذ إجراءات ضد هذه الدول وعدم اتخاذ إجراءات ضد واشنطن لصعوبة ذلك، فإنه في عالم اليوم بتعقيداته ونفاقه وسيولته فإن الأمر طبيعي، ومن حسن التصرف الرشيد اتخاذ إجراءات رادعة ضد هذه الدول الصغيرة، وترك الشعوب، أو هكذا آمل، تتخذ إجراءاتها ضد الولايات المتحدة، مثل المقاطعة الاقتصادية أو الثقافية.

مقالات مشابهة

قوى الامن: اوقف حاجز ضهر البيدر ع.ج.(١٩٩١/سوري) م.س. (١٩٩٥/سوري) بجرم تهريب اجانب مع 4 سوريين ادخلوا البلاد خلسة

هذا ما طلبه اللواء صليبا من الوفد الفدرالي الأميركي

إستونيا: المخابرات النرويجية ساعدتنا باعتقال عميل للاستخبارات الروسية

الدفاع المدني: حريق سيارة رباعية الدفع في قرنة شهوان-المتن

قائد الجيش: ليس هناك خطة أمنية انما تدابير أمنية متواصلة

سعيد: من الطبيعي أن نقف الى جانب المملكة العربية السعوديّة

انقاذ عاملين من داخل بئر في كفرمان

نواب تضامنوا مع الناجحين الشماليين في كلية التربية وأكدوا أحقية مطالبهم ودعمها

روحاني يأمر قوات الأمن باستخدام سلطاتها لتحديد منفذي هجوم الاهواز