ثلاثة تحديات تواجه الصناعة النفطية اللبنانية
شارك هذا الخبر

Sunday, December 17, 2017

وليد خدوري - الحياة

وافق مجلس الوزراء اللبناني هذا الأسبوع، على إرساء قطعتين بحريتين على كونسورتيوم مكوّن من شركات «توتال» الفرنسية و «إيني» الإيطالية و «نوفاتك» الروسية. وقدّم الكونسورتيوم عروضاً للرقعة 4 البالغة مساحتها نحو 2030 كيلومتراً مربعاً والممتدة من البترون إلى شمال بيروت، والرقعة 9 البالغة مساحتها 1742 كيلومتراً مربعاً وتمتد من الحدود البحرية الجنوبية إلى شمال صيدا. وهذا يعني وجود ثمانية رقع (بلوكات) لا تزال مفتوحة، إضافة إلى ما سيتنازل عنه الكونسورتيوم من المساحات في كل قطعة، لا يُستثمر فيها خلال السنوات الثلاث المقبلة، والتي يجب تسليمها بعد ذلك إلى الدولة. ويُفترض الآن بعدما وُضعت القوانين اللازمة، مواصلة المفاوضات للاستمرار في استقطاب الشركات النفطية.

ويشكّل اهتمام ثلاث شركات عالمية ضخمة مكسباً للبنان في دورة التراخيص البحرية الأولى، إذ إن لشركة «إيني» دوراً كبيراً في اكتشافات النفط والغاز في كل من البحر الأبيض المتوسط، حيث اكتشفت حقل ظهر في المياه المصرية، الذي يُعدّ أكبر حقل للغاز في البحر المتوسط ومن الحقول الكبيرة عالمياً وفي شمال أفريقيا، وبقية القارة. أما «توتال» فهي من كبرى الشركات النفطية العالمية، ولها دور مهم في الاكتشاف والإنتاج البترولي في كل من قطر وإيران فضلاً عن أبو ظبي والجزائر. فيما تُعتبر «نوفاتك» من الشركات الروسية الضخمة أيضاً لإنتاج الغاز. ودشنت الشهر الماضي الإنتاج من مشروع «يامال للغاز المسال»، وتشاركها فيه «توتال» وشركات صينية. هذا، وتستكشف الشركات الثلاث الغاز في المياه القبرصية.

وبات معلوماً أن لبنان تأخر نحو ثلاث سنوات في المواعيد التي حددها لدورة التراخيص البحرية الأولى، بسبب التجاذبات السياسية. وكانت نتيجة هذا التأخير انسحاب عدد كبير من الشركات من الدورة، على رغم اهتمامها بالمشاركة في بادئ الأمر، ومنها «إكسون موبيل» و»شيفرون» و «أنداركو» الأميركية، و «أنبيكس» اليابانية و «مرسك» الدنماركية و «بتروبراس» البرازيلية و «ريبسول» الإسبانية و «رويال دتش شل» الهولندية و «ستاتويل» النروجية. تُضاف إليها «ايني» و «توتال» التي انضمت إليهما «نوفاتك» لاحقاً. وهناك سببان رئيسيان للانسحابات التأخير في إطلاق دورة التراخيص واللغط، وانهيار أسعار الغاز العالمية من نحو 16 دولاراً لمليون وحدة حرارية بريطانية إلى 17 دولاراً إلى ما بين 3 و4 دولارات وتقليص الشركات النفطية موازناتها الاستثمارية إثر تدهور الأسعار.

وتواجه الصناعة البترولية اللبنانية ثلاثة تحديات، الأول هو النجاح في اكتشاف الحقول النفطية والغازية الضخمة أي تلك التي تحتوي احتياطات تجارية كافية للاستهلاك الداخلي والصادرات لعقود من الزمن. وتهتم الدول عادة بتلبية الطلب المحلي في المقام الأول. بينما تكمن أولوية الشركات بالمشاريع التصديرية، نظراً إلى الأرباح الإضافية التي تحصل عليها من بناء المنشآت والتسويق. كما لا يجب تضخيم الأمور ورفع التطلعات عالياً قبل معرفة نتائج الاستكشافات والحفر، إذ يفضي ذلك إلى بلبلة وتطلعات مغلوطة عند الرأي العام، مثلما صدر في وسائل الإعلام حول «دخول لبنان نادي الدول النفطية» حال الإعلان عن الموافقة الرسمية للعقود. إذ سيتبع الاتفاق على العقود سنوات من الاستكشاف والحفر. ولا يُتوقع بدء التسويق قبل اكتشاف الحقول وتقويمها، ومن ثم التفاوض على الأسواق الذي يتطلب فترة من الزمن.

ويتمثل التحدي الثاني، بمشكلة الشفافية والحوكمة، وتحديداً لدى دراسة ملفي الصندوق السيادي وتأسيس شركة النفط الوطنية. ويتعلق هذان الملفان بأمور حيوية، هي كيفية الاستفادة القصوى من الريع النفطي. والسؤال الأول الذي يمكن طرحه هنا، هل يتوجب ضم الريع النفطي فقط للصندوق، أم أيضاً الضرائب على المنتجات البترولية المستهلكة محلياً؟. وهل يمكن تخصيص كل أموال الريع النفطي للصندوق أم نسبة معينة منها فقط. وهل يتوجب مثلاً في لبنان استعمال الريع النفطي لتقليص الدين العام أولاً؟ وأين يجب استثمار الصندوق السيادي. طبعاً، إن موضوع الصندوق السيادي ليس ملحاً الآن، والوقت متاح كثيراً للتفكير في خصوصياته وأسسه.

أما مسألة تأسيس شركة النفط الوطنية، فتكمن أهميتها في بادئ الأمر في الإشراف على عمل الشركات وحساباتها. ووفقاً لنظام مشاركة الإنتاج المعمول به في لبنان، يتوجب تشكيل لجان عمل مشتركة تمثل كلاً من الشركات العاملة والسلطات النفطية. فمسؤولية هذه اللجان التدقيق المستمر في مسيرة العمل والحسابات. ويُفترض بذلك أن يزود السلطات النفطية بما ينفذ في المشاريع الضخمة التي تكلف بلايين الدولارات. هناك أيضاً أمثلة كثيرة للشركات النفطية الوطنية. فما هي علاقتها بالقطاع الخاص وتحديداً في دولة مثل لبنان. هل من الأفضل مشاركة القطاع الخاص في رأسمال الشركة وإدارتها من خلال مجلس مشترك، أم أن من الأفضل الحفاظ على الشركة كجزء من مؤسسات القطاع العام، تمنح المقاولات والمشاريع للشركات الخاصة. إن تجارب القطاع العام في لبنان غير مشجعة، نظراً إلى دور المحاصصة في التعيينات. وهذا أمر لا بد أن يردع الشركات الخاصة من مشاركة الشركة الوطنية. كما أن من الصعب نجاح شركات النفط الوطنية في الدول التي تتبنى النظام الطائفي في التعيينات لشركات القطاع العام. والأمثلة كثيرة ولا داع للولوج فيها.

أما التحدي الثالث، فهو احتمال نشوب خلافات مستقبلية حول الرقعة 9، إذ وبحسب ما تشير الخرائط الإسرائيلية الحديثة، أن إسرائيل قد رسمت قطعاً لها (1و2و3) في المناطق السفلى للقطعتين اللبنانيتين 8 و9. وهذا سيعني خلافات قانونية مستقبلية حول سيادة هذه الأراضي. ولا بد أن الكونسورتيوم أخذ هذا الأمر بالحسبان في عمله. إذ واستناداً إلى النموذج الجيولوجي الذي اعتمده للقطعة، يمكن أن يبدأ الاستكشاف والحفر في المناطق الشمالية من القطعة. لكن توجد مشكلة أخرى، هي أن شركة «اينرجين» حصلت على موافقة السلطات الإسرائيلية لتطوير حقل «كاريش» الذي يبعد الجزء الشمالي منه أقل من 10 كيلومترات عن القطعة رقم 9 اللبنانية. ويطرح هذا الأمر سؤالاً آخر، ما هي طبيعة المَكمن المتواجد، وهل يمتد إلى الرقعة 9، أم لا. ففي حال امتداده، تستطيع الشركة، في حال قررت إسرائيل ذلك أن تستغل الغاز في الجانب اللبناني منه. وفي حال لا يمتد المَكمن إلى الجانب اللبناني، تستطيع الشركة استعمال الحفر الأفقي للوصول إلى الجانب اللبناني، وتحديداً تدل المؤشرات المتوافرة على أن هذه المنطقة واعدة.

مقالات مشابهة

تحذيرات محليّة ودوليّة من انعكاس السياسة سلباً على الإقتصاد!

تداعيات كارثية لزيادة الدين العام

مع ألمانيا أو البرازيل؟

ركود محتمل يضرب اقتصاد العالم في 2019.. اعرف السبب

تطور الصناعة البترولية العربية

التعاون الدولي في زمن الأحادية المتشدّدة والحمائية

الأسواق بين زيادة الفائدة والحرب التجارية

نظرة جيو إقتصادية لعرض ترسيم الحدود

العالم لن يتحمّل قوة دولار ترامب